27 من أبريل عام 1993 ميلاد تجربة ديمقراطية واعدة
في السابع والعشرين من أبريل عام 1993، شهد اليمن ميلاد تجربة ديمقراطية واعدة، جسدت تطلعات شعب بأكمله نحو بناء دولة حديثة ترتكز على إرادة المواطن وسيادة المؤسسات. إلا أن هذه التجربة الوليدة سرعان ما واجهت عواصف هوجاء، غذتها قوى داخلية متشابكة مع أجندات إقليمية، رأت في صعود الديمقراطية تهديداً لمصالحها.
يعتبر محللون سياسيون هذا اليوم محطة فارقة في تاريخ اليمن الحديث، حيث تجسدت فيه إرادة الشعب اليمني في ممارسة حقه الديمقراطي عبر انتخاب ممثليه بحرية، وهو ما شكل بداية لمسار ديمقراطي طموح في محيط إقليمي مضطرب.
ففي هذا اليوم من عام 1993، جرت أول انتخابات نيابية تعددية، مثلت انطلاقة لمشروع بناء دولة المؤسسات والقانون، ورسخت مبادئ التداول السلمي للسلطة وحرية التعبير، وفق ما نصت عليه وثائق الوحدة اليمنية ودستور 1990.
وقد أرسى النظام اليمني آنذاك أسساً قوية للديمقراطية من خلال السماح بتعدد الأحزاب السياسية وتكريس الحريات العامة، وهو ما اعتُبر تقدماً لافتاً في بيئة عربية لم تشهد موجات ديمقراطية مماثلة.
إلا أن هذا المسار أزعج قوى دولية وإقليمية، دفعت بأذرعها الداخلية، مستغلة جماعات مثل الإخوان المسلمين ومليشيا الحوثي المدعومة من إيران، في محاولات دؤوبة لإجهاض الحلم الديمقراطي عبر إثارة الأزمات وتغذية الصراعات الداخلية.
مع نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، تضاعفت محاولات هذه الجماعات لإرباك المشهد السياسي، مستخدمة سلاح الاحتجاجات والانقلابات الناعمة. وتجلت هذه المؤامرات بوضوح في أحداث عام 2011، حيث شهدت البلاد احتجاجات قادتها أطراف متحالفة مع جماعة الإخوان ومليشيا الحوثي، بحجة الإصلاحات السياسية، بينما كان الهدف الحقيقي تفكيك المؤسسة العسكرية وإضعاف الدولة.
ثم جاء انقلاب 21 سبتمبر 2014، بدعم مباشر من إيران، ليكون تتويجاً لمسار طويل من التخريب الداخلي، قادته قوى لا تحظى بقبول شعبي حقيقي، ولم تجد وسيلة للوصول إلى السلطة سوى عبر الخراب والدمار.
ومنذ ذلك الحين، استمرت المليشيا المدعومة من إيران والإخوان المسلمين في تنفيذ أجندتها الخارجية على حساب تطلعات الشعب اليمني. تم قمع الحريات ومصادرة الحياة السياسية، وأُغلقت مقرات الأحزاب المعارضة، وكممت الأفواه، وصودرت الصحف والقنوات الإعلامية. وتحول اليمن إلى ساحة صراع، ضاعت فيها أبسط حقوق المواطنين في التعبير والاختيار الحر.
وفي ظل هذا التشظي، تستمر معاناة اليمنيين، المحرومين اليوم من أبسط حقوقهم التي احتفلوا بها ذات 27 أبريل، عندما كانوا يحلمون بدولة مدنية ديمقراطية، سُرقت منهم في وضح النهار.