صنعاء لم تسقط فجأة… بل أُسقطت على مراحل تحت غطاء الوهم والتبرير

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

ليست الحقيقة بتلك البساطة التي يحاول البعض تسويقها اليوم، ولا يمكن اختزال سقوط صنعاء في لحظة واحدة أو تعليقها على شماعة طرف بعينه. ما جرى كان مسارًا طويلًا من التمهيد السياسي والعسكري، بدأ مبكرًا منذ عام 2011، حين فُتحت الأبواب أمام الحوثي ليتحول من جماعة متمردة في جبال مران إلى قوة تتجول في شوارع العاصمة دون رادع.

في تلك المرحلة، لم يكن الحوثي طارئًا على صنعاء، بل كان حاضرًا فيها، يرفع شعاراته علنًا، ويجد من يوفر له الغطاء السياسي والإعلامي، ويقدمه كـ"طرف مظلوم" ينبغي إنصافه. نفس الأصوات التي ترتفع اليوم بالاتهام، كانت بالأمس تمهّد له الطريق، وتدافع عن وجوده، وتبرر توسعه، بل وتمنحه شرعية المشاركة في المشهد السياسي عبر الحوار الوطني.

لقد تم إخراج الحوثي من عزلته، ومنح مساحة غير مسبوقة للحركة والتأثير، بدءًا من صعدة التي سُلّمت له عمليًا، وصولًا إلى مشاركته في الساحات، حيث رُفعت له الهتافات، وقُدمت له التنازلات، بل وصل الأمر إلى الاعتذار له عن حروب خاضها ضد الدولة، وكأن دماء الجنود والضباط الذين سقطوا لم تكن ذات قيمة.

وما يكشف خطورة المشروع الحوثي مبكرًا، هو ما تردد عن محاولته استهداف القيادة عبر حفر نفق باتجاه أحد المنازل، وهي واقعة – بغض النظر عن تفاصيلها – تعكس ذهنية التسلل والانقلاب التي لم تتغير لاحقًا. ومع ذلك، استمر التغاضي، واستمرت المراهنة الخاطئة.

عندما تحرك الحوثي نحو عمران، لم تُقابل خطواته بقرارات حاسمة، بل طغت لغة التبرير، وقيل إن ما حدث هو "عودة للدولة"، بينما كانت الحقيقة أن موازين القوة كانت تتغير على الأرض لصالحه. ثم بدأ حصار صنعاء تدريجيًا، من أطرافها إلى قلبها، مستخدمًا ذرائع شعبوية مثل قضية "الجرعة"، فنصب الخيام، وكرر سيناريو الفوضى الذي سبق أن استُخدم في 2011، دون أن يواجه بردع حقيقي.

السؤال الذي لا يزال معلقًا: أين كانت قرارات المواجهة؟ وأين كانت أوامر الجيش؟ ومن الذي عطّلها؟ لماذا تُركت العاصمة تُطوّق خطوة خطوة دون تحرك جاد؟

بدلًا من المواجهة، جاء توقيع ما سُمّي باتفاق "السلم والشراكة"، الذي منح الحوثي مزيدًا من الوقت والشرعية، قبل أن ينقلب عليه كعادته، ويفرض سيطرته بالقوة. ثم تلت ذلك مرحلة أخطر، تمثلت في تسليم المعسكرات والسلاح في أكثر من جبهة، دون مقاومة تُذكر، في مشهد أقرب إلى التسليم المنظم منه إلى السقوط المفاجئ.

اليوم، يحاول البعض إعادة كتابة القصة بشكل مبتور، واختزال كل هذا المسار المعقد في رواية واحدة مريحة تعفيهم من المسؤولية. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن صنعاء لم تسقط في يوم واحد، بل سقطت عندما تم تمهيد الطريق للحوثي سياسيًا وعسكريًا، خطوة بعد أخرى، حتى أصبحت النتيجة الحتمية واقعًا مفروضًا.

إن استعادة الذاكرة الوطنية ليست ترفًا، بل ضرورة، لأن تجاهل الأخطاء أو تزوير الوقائع لن يؤدي إلا إلى تكرار الكارثة.