27 أبريل .. ذكرى الديمقراطية المغدورة
يأتي يوم 27 من أبريل من كل عام ليحمل في ذاكرة اليمنيين واحدًا من أعظم الأيام في تاريخهم الحديث؛ يومٌ ارتبط بأول انتخابات برلمانية شهدها اليمن في عام 1993م، بعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة في 22 من مايو 1990م، تلك الوحدة التي فتحت أبواب الأمل لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على الشراكة والتعددية السياسية.
لقد كان يوم 27 من أبريل يومًا شورويًا وحضاريًا مشهودًا، أعلن فيه اليمنيون ميلاد النظام الديمقراطي التعددي، ورفعوا راية المشاركة السياسية، حين أُتيحت الفرصة لكل القوى والفعاليات الوطنية لممارسة حقها في العمل السياسي العلني، وخوض الانتخابات بحرية، والتنافس تحت سقف الوطن، لا تحت فوهات البنادق.
وفي ذلك اليوم التاريخي المجيد، برزت نتائج النهج الديمقراطي الذي جسّد مبدأ الشراكة الوطنية، وفتح أبواب التعددية الحزبية، وكفل للمواطن حق الترشيح والترشح، ومنحه الحرية الكاملة في اختيار من يمثله في البرلمان، في مشهدٍ كان أقرب إلى عرس وطني جسّد تطلعات اليمنيين وآمالهم في بناء دولة القانون والمؤسسات.
لقد خاض اليمنيون أول انتخاباتهم البرلمانية الحرة والمباشرة في 27 من أبريل 1993م، ومارسوا حقهم الدستوري بكل فخر وشفافية، لتتوالى بعدها الأعراس الديمقراطية، وتعززت التجربة الانتخابية البرلمانية والرئاسية والمحلية، واستمرت قرابة تسعة عشر عامًا من الحراك السياسي الذي كان ينمو بوتيرة متسارعة، رغم حداثة التجربة وصعوبة الظروف.
وبرغم كون اليمن دولة نامية وحديثة العهد بالتجربة الديمقراطية، إلا أنها قطعت شوطًا مهمًا في ترسيخ ثقافة التداول السلمي للسلطة، وبناء مؤسسات الدولة، وإشراك المجتمع في صناعة القرار، حتى أصبحت الديمقراطية خيارًا وطنيًا لا بديل عنه، وطريقًا حضاريًا وحيدًا للوصول إلى السلطة بعيدًا عن العنف والانقلابات.
غير أن هذه المسيرة لم تدم طويلًا، إذ جاءت موجات الفوضى والتآمر لتفتح الأبواب أمام قوى التخلف والظلام، وتمكّن أعداء الحرية من الانقلاب على الشرعية والديمقراطية والجمهورية، وتسليم البلاد للمليشيات الحوثية، التي جرّت اليمن إلى حروب طاحنة التهمت الأخضر واليابس، وقضت على مكتسبات الوطن، وأغرقت الشعب في دوامة الفقر والدمار.
لقد تحولت المنجزات الوطنية إلى أطلال تذكارية، واستُبدلت صناديق الاقتراع بثقافة السلاح، والديمقراطية بثقافة الولاية والأحقية الإلهية، وأصبح يوم 27 من أبريل مجرد ذكرى جميلة يحنّ إليها اليمنيون، ويتمنون عودتها كطوق نجاة ينقذ البلاد من حاضرها القاتم.
واليوم، يقف اليمنيون أمام هذه الذكرى العالقة في وجدانهم، لا للاحتفال فقط، بل لاستعادة الوعي بحقيقة ما خسرته البلاد عندما فُرِّط بالديمقراطية، وما دفعه الشعب من أثمان باهظة نتيجة الانقلاب على إرادته؛ فالديمقراطية لم تكن يومًا ترفًا سياسيًا، بل كانت صمام أمان لوحدة اليمن واستقراره ومستقبله.
إن 27 من أبريل سيبقى يومًا خالدًا في ذاكرة الوطن، شاهدًا على أن اليمنيين عرفوا طريق الديمقراطية ذات يوم، وأنهم قادرون على استعادتها مهما طال ليل الانقلاب، ومهما حاولت قوى الاستبداد والظلام طمس ملامح ذلك اليوم الذي كان، ولا يزال، قارب النجاة لليمن ولكل اليمنيين.