تعز.. إقطاعية الفساد، واحتراف الاستثمار في الوجع..!
لم تعد تعز تمر بأزمة عرضية عابرة، وإنما صارت واقعة تحت مقصلة "هندسة الأزمات" التي تُدار كحصاد مالي وسياسي نفعي.
منذ بداية الحرب العبثية التي تشهدها اليمن حتى هذه اللحظة، والمدينة تنسلخ عن الحياة ببطء ممنهج، إلى حد أن المواطن لا يعرف أنه قد تحول إلى رقم في حسابات شبكات النفوذ.
ما من صباح يشرق في هذه المدينة إلا ويجر خلفه طوابير جديدة، وسوقاً سوداء أكثر توحشاً، وجنائز مجانية لضحايا "القتل الصامت".
في تعز تهاوت الكرامة أمام لقمة العيش، وصار البقاء على قيد الحياة أشبه بمعركة يومية تُخاض ضد الجباية، والحصار والإهمال.
وحتى لا أبدو مبالغاً فيما أطرحه هنا سأوجز ما قصدته في عنوان هذه المقالة "تعز.. إقطاعية الفساد، واحتراف الاستثمار في الوجع" على النحو أدناه.
أولاً: أركان الجريمة المنظمة: الموت كسلعة استهلاكية.
تتجلى مظاهر سياسة الإخضاع في تعز على نحو يشبه كثيراً أركان الجريمة المنظمة التي تمارسها المافيات السياسية، حيث يغدو الموت أشبه بسلعة استهلاكية أو استثمارية قاتلة، ومن مظاهر ذلك:
1- اقتصاد الطابور المفتعل:
إن غياب الغاز المنزلي ليس نقصاً في التوريد، بل هو قرار سياسي لإنعاش السوق السوداء التي تديرها قيادات نافذة.
بينما تقف الأمهات في طوابير مهينة، تتدفق الكميات المهربة بأسعار خيالية، مما أجبر الآلاف على العودة لوسائل بدائية كالحطب، معيدين المدينة إلى عصور ما قبل المدنية.
2- تجارة السموم المشرعنة:
تحولت المنافذ إلى ممرات آمنة للأغذية الفاسدة والأدوية المهربة التي تملأ الصيدليات بلا رقيب.
ومثال ذلك: انتشار الأدوية والمحاليل الوريدية مجهولة المصدر التي أدت في حالات موثقة إلى تدهور مفاجئ لحالات مرضى الفشل الكلوي والسرطان.
3- الإعدام تحت المعطف الأبيض:
تحولت المستشفيات إلى ساحات لتجارب العبث الطبي، حيث يُقتل المرضى بجرعات تخدير خاطئة أو عمليات يجريها غير مختصين.
على سبيل المثال: قضية الطفل "أنس رفيق" الذي دخل المستشفى لإجراء عملية استئصال "اللوزتين"، وبسبب خطأ فني أصيب بضمور كامل في الدماغ وفقدان للحواس والحركة، ليصبح مشلولاً تماماً، إلى جانب ضحايا آخرين قضوا نتيجة أخطاء طبية فادحة، ومع ذلك تظل تقارير "المجلس الطبي" حبيسة الأدراج لحماية القتلة.
ثانياً: حصانة الفاسد، وملاحقة الناقد.
في مفارقة سياسية صارخة، تسخر السلطة أجهزتها ليس لحماية المواطن، بل لترهيب من يكشف أو يكتشف الجريمة.
تتحرك أطقم الأمن، وقرارات الاستدعاء بسرعة البرق ضد كل قلم يرفض الصمت، بينما تظل مشلولة أمام عصابات التهريب والنهب.
لقد شهدت تعز حملة شعواء لتكميم الأفواه، حيث تم جر العديد من الأقلام الحرة إلى أروقة النيابات والمحاكم بسبب كتابات كشفت ملفات فساد في قطاعات الغاز والصحة والكهرباء.
من أبرز هؤلاء الصحفيين وكتاب الرأي الشهيد عبد الصمد القاضي الذي اغتيل في وضح النهار بأحد شوارع المدينة.
وأبرز الأسماء الذين واجهوا مضايقات، واستدعاءات، وتحقيقات:
جميل الصامت، جميل الشجاع، نايف الوافي، طه صالح، عبد الخالق سيف، محمد الحمادي، أروى الشميري، بلال المريري، محمد أمين، توفيق آغا، مجاهد القب، وجدي السالمي، صلاح الجندي، ذي يزن السوائي، وغيرهم ممن وجدوا أنفسهم أمام القضاء عوضاً عن الفاسدين الذين يسرحون ويمرحون بكل خُيلاء، وكبرياء.
إن فتح ملفات "الإساءة والتشهير" ضد هؤلاء، بينما يرتع الفاسدون في مكاتبهم يثبت أن العدالة في تعز "عوراء" ولا تخدم إلا الجلادين.
ثالثاً: المنقذ لتعز.. شروط ومطالب:
إن استعادة مكانة تعز الطبيعية تتطلب شروطاً حازمة لا تقبل التمييع أو انتهاج عادات وصور الصلح التقليدية القبلية، ولهذا يجب:
1- تشكيل نيابة متخصصة فوراً للجرائم الطبية والاقتصادية لملاحقة "هوامير" التهريب ومعدومي الضمير في القطاع الصحي.
2- إيقاف الملاحقات الكيدية ضد الصحفيين فوراً، وإحالة قضايا النشر لنيابة الصحافة والمطبوعات حصراً، حمايةً لما تبقى من هامش حرية.
3- على النائب العام وهيئة مكافحة الفساد فتح التحقيقات المجمدة منذ 2020 ونشر نتائجها للرأي العام ليعرف المواطن من يسرق حصته من الغاز والدواء.
أخيراً.. يجب علينا الخروج من دوائر الصمت السليمانية.
إن استمرار الصمت اليوم يعد مشاركة فعلية في كل الجرائم المرتكبة في حق تعز.
وتعز قطعاً لن تغفر للذين احترفوا الاستثمار في أوجاعها، وصادروا حلم أطفالها في أن يعيشوا الحياة بأدنى شروطها الكريمة.