اليمن بين النموذج العراقي وخطر ترسيخ الحوثيين: هل ما زال خيار الحسم ممكناً؟
تكشف التطورات الإقليمية المتسارعة، خصوصاً في ظل المواجهة المفتوحة بين إيران واذرعها من جهة و أمريكا وإسرائيل من جهة أخرى وحصار مضيق هرمز، واحتمالات اتساع نطاق الصراع في الخليج العربي، عن سؤال بالغ الأهمية يتعلق بمستقبل ميليشيات الحوثي في اليمن، فهل ستقود هذه التحولات إلى إضعاف الجماعة وإنهاء مشروعها، أم أن غياب الرؤية داخل معسكر الشرعية قد يمنح الحوثيين فرصة إضافية لإعادة التموضع وتعزيز سيطرتهم؟
لم يعد الملف الحوثي يُقرأ باعتباره أزمة يمنية داخلية فقط، بل أصبح جزءاً من معادلة أمن إقليمي أوسع تمتد من البحر الأحمر إلى الخليج العربي، ومن مضيق باب المندب إلى مضيق هرمز. فالهجمات الحوثية على الملاحة الدولية منذ أواخر عام 2023 كشفت أن الجماعة تحولت من تهديد محلي إلى أداة ضغط إيرانية عابرة للحدود، تؤثر في التجارة العالمية، وأسعار التأمين البحري، وسلاسل الإمداد الدولية. وقد دفع ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ ضربات مباشرة ضد مواقع الجماعة، كما دفع الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق مهمة بحرية لحماية الملاحة في البحر الأحمر. وهذا يعني أن مستقبل الحوثيين بات مرتبطاً أيضاً بحسابات القوى الكبرى، وليس فقط بالتوازنات اليمنية الداخلية.
المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في قوة الحوثيين العسكرية، بل في عامل الزمن. إذ أثبتت التجارب أن الميليشيات العقائدية المرتبطة بإيران تستفيد من فترات التهدئة الطويلة، وتحوّل المفاوضات غير الحاسمة إلى أدوات لإعادة التنظيم. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الجماعات أكثر تجذراً داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، كما حدث بوضوح مع ميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان.
التجربة العراقية تقدم نموذجاً شديد الخطورة يجب أن يُقرأ بعناية في الحالة اليمنية. فبعد سقوط نظام صدام حسين، استغلت الفصائل المسلحة المدعومة من إيران الفراغ السياسي والعسكري الذي خلّفه الغزو الأمريكي عام 2003، وتمكنت تدريجياً من اختراق مؤسسات الدولة العراقية، ثم تحولت لاحقاً إلى قوة موازية للدولة. بل إن بعضها أصبح جزءاً من القرار السياسي والعسكري والاقتصادي، مستفيداً من الثروة النفطية الضخمة ومن هشاشة النظام السياسي القائم على المحاصصة.
ولم تكن المشكلة العراقية مقتصرة على النفوذ العسكري فقط، بل تطورت لاحقاً إلى بناء منظومة اقتصادية موازية للدولة، عبر السيطرة على المنافذ الحدودية، والعقود الحكومية، وشبكات الطاقة، والاقتصاد غير الرسمي. وهذا خطر قد يتكرر في اليمن إذا طال أمد الأمر الواقع الحوثي، حيث قد تنتقل الجماعة من اقتصاد الحرب الحالي إلى بناء اقتصاد دائم قائم على الجبايات، والتحكم بالموانئ، وقطاع الاتصالات، والمساعدات الإنسانية، والموارد المحلية، بما يجعل تفكيكها مستقبلاً أكثر كلفة وتعقيداً.
الأخطر أن كثيراً من تلك الفصائل العراقية كانت قد تشكلت خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، ووقفت عملياً ضمن المشروع الإيراني ضد الدولة العراقية، ثم عادت بعد عام 2003 لتصبح لاعباً مركزياً داخل بغداد. واليوم، حتى لو تعرض النظام الإيراني لضعف كبير، فإن تلك الجماعات تمتلك مصادر تمويل محلية وشبكات نفوذ تجعل تفكيكها بالغ الصعوبة.
وبالمثل، فإن حزب الله في لبنان يقدم نموذجاً آخر لميليشيا عقائدية تحولت إلى دولة داخل الدولة، بفضل التهدئة العربية والإقليمية المتكررة، وامتلاكها ترسانة صاروخية ضخمة، وقدرة على تعطيل القرار السياسي اللبناني متى شاءت.
ورغم الضربات الإسرائيلية التي تعرض لها حزب الله خلال الفترات الأخيرة، فإن التجربة اللبنانية تكشف أن إضعاف القدرات العسكرية لا يعني تلقائياً إنهاء النفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي للميليشيات العقائدية، وهو درس بالغ الأهمية في الحالة اليمنية، لأن أي مقاربة تختزل الأزمة في البعد العسكري فقط قد تعيد إنتاج الصراع بصورة مختلفة.
لكن ثمة فارقين أساسيين بين اليمن والنموذج العراقي يعقّدان مقاربة خيار الحسم كما تُفهم تقليدياً.
الفارق الأول يتمثل في غياب الاحتلال المباشر والفراغ الكامل الذي شهده العراق بعد عام 2003، كما أن اليمن لا يمتلك حتى الآن إطاراً سياسياً توافقياً واضحاً لإدارة مرحلة ما بعد الحسم ومنع ظهور صراعات جديدة داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
أما الفارق الثاني فيتعلق بالبيئة الجغرافية والديموغرافية، فالحوثيون ليسوا مجرد فصيل عسكري عابر، بل جماعة تمتلك تغلغلاً اجتماعياً وعقائدياً داخل معقلها التاريخي في شمال اليمن، خصوصاً في محافظة صعدة ومحيطها، وهو ما يجعل استعادة المدن لا تعني بالضرورة إنهاء البنية العقائدية والتنظيمية للجماعة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي، فإذا استمرت حالة التشتت داخل الحكومة الشرعية والمكونات العسكرية المختلفة، فإن الحوثيين سيكسبون مزيداً من الوقت لإعادة بناء قدراتهم العسكرية، وسد الثغرات السابقة، وتطوير برامج الطائرات المسيّرة والصواريخ، مستفيدين من شبكات تهريب معقدة مرتبطة بإيران.
كما أن استمرار الجمود يمنح الحوثيين فرصة لتعميق التغيير الفكري والاجتماعي داخل مناطق سيطرتهم، عبر المناهج التعليمية، والتعبئة العقائدية، وإعادة تشكيل النخب المحلية، وتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل استعادة الدولة مستقبلاً أكثر تعقيداً، لأنها لن تكون فقط استعادة جغرافيا، بل استعادة مجتمع ومؤسسات وهوية وطنية.
لقد أثبت الحوثيون خلال السنوات الماضية أنهم لا يتعاملون مع السلام باعتباره خياراً استراتيجياً، بل كتكتيك مرحلي. فمنذ حروب صعدة الست بين عامي 2004 و2010، مروراً بالانقلاب على الدولة في عام 2014، ثم اتفاق ستوكهولم عام 2018، وصولاً إلى الهدن اللاحقة، كانت الجماعة تستخدم فترات التهدئة لإعادة ترتيب قدراتها، وليس لتقديم تنازلات حقيقية.
إذاً، خيار الحسم لا يزال ممكناً نظرياً، لكنه لم يعد يعني مجرد عملية عسكرية تقليدية نحو صنعاء.
فالحسم في الحالة اليمنية أصبح مفهوماً مركباً يشمل توحيد القرار العسكري، وتجفيف مصادر التمويل، وتعطيل شبكات التهريب البحري، واستعادة المؤسسات الاقتصادية، وبناء خطاب سياسي جامع للمناطق الشمالية، وإيجاد ضمانات إقليمية تمنع إعادة إنتاج الجماعة تحت صيغ جديدة.
فالنجاح العسكري دون معالجة سياسية واقتصادية وأمنية شاملة قد يؤدي إلى تكرار أخطاء تجارب عربية أخرى.
كما أن التحولات داخل إيران نفسها يجب مراقبتها بدقة، فإذا تعرضت طهران لاستنزاف اقتصادي وعسكري أكبر نتيجة اتساع الصراع الإقليمي، فقد تتراجع قدرتها على تمويل أذرعها الخارجية، لكن التجربة العراقية واللبنانية تؤكد أن الوكلاء المحليين قد يستمرون حتى في حال ضعف المركز الإيراني، إذا نجحوا في بناء مصادر تمويل محلية مستقلة.
السؤال المركزي اليوم، هل تتجه البوصلة نحو استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب، أم نحو استمرار دوامة المفاوضات الجزئية التي قد تؤدي إلى تكريس نموذج شبيه بالنموذج العراقي أو اللبناني، حيث تبقى الدولة الرسمية ضعيفة بينما تظل الميليشيات القوة الفعلية؟
الخطر الحقيقي ليس في الاختيار بين الحسم أو التفاوض بذاته، بل في المنطقة الرمادية التي يعيشها اليمن اليوم، تفاوض بلا استراتيجية واضحة، وتجميد للصراع بلا حسم حقيقي، وهو المسار الذي يمنح الحوثيين الوقت الكافي للتحول إلى نسخة أكثر رسوخاً وتعقيداً.
فالقبول بتكريس سلطة الحوثيين على الكتلة السكانية الكبرى في شمال اليمن لا يهدد الداخل اليمني فقط، بل يمتد إلى أمن السعودية، ودول الخليج العربي، والملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، فضلاً عن أمن الطاقة العالمي والمنشآت النفطية.
لقد أظهرت هجمات بقيق وخريص عام 2019 كيف يمكن للصواريخ والطائرات المسيّرة أن تهدد أسواق الطاقة العالمية خلال ساعات، كما أظهرت هجمات البحر الأحمر كيف يمكن لجماعة محلية أن تفرض نفسها على أجندة الأمن الدولي.
التاريخ القريب يقول بوضوح إن الميليشيات العقائدية كلما مُنحت وقتاً أطول، أصبحت أكثر تعقيداً في المواجهة، ولذلك فإن تأجيل الحسم اليوم قد يرفع كلفة الحسم مستقبلاً بصورة أكبر.
الرهان على إدارة الأزمة بدلاً من حلها قد يبدو أقل كلفة على المدى القصير، لكنه قد ينتج في اليمن نسخة أكثر خطورة وتعقيداً من النموذجين العراقي واللبناني.
ويبقى السؤال العملي الأكثر إلحاحاً اليوم، هل تمتلك الشرعية اليمنية والقوى الإقليمية ما يكفي من الوحدة والقوة والجرأة لكسر هذا الجمود، أم أن الجميع بدأ فعلياً في التعايش مع فكرة حوثي ممتد كأمر واقع طويل الأمد؟
أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز