قطاع الصحة في عدن بين طاحونة "الفساد المالي" وأنين المرضى في المستشفيات الحكومية
في الوقت الذي تصب فيه المنظمات الدولية وميزانية الدولة مليارات الريالات والدولارات لإنقاذ الوضع الإنساني في اليمن، يواجه المواطن في العاصمة المؤقتة عدن واقعاً صحياً مريراً يوصف في الأوساط المحلية بأنه شارف على "التعفن". وبين أدوية ومعدات تُهدر أو تُهرب، ومستشفيات حكومية تفتقر إلى أبسط المقومات الطبية، وفساد إداري يطال المنح والمساعدات، يجد المواطن البسيط نفسه مجبراً على الاختيار بين الموت الصامت أو الاستدانة لدخول المستشفيات الخاصة.
يفتح هذا التحقيق ملف الفساد داخل أروقة وزارة الصحة والمرافق التابعة لها في عدن، مستنداً إلى شهادات حية وبلاغات رسمية.
واقع مرير: أدوية مهربة ومستشفيات بلا خدمات
تشير التقارير والبلاغات المرفوعة إلى الجهات الرقابية والقضائية في عدن إلى وجود تجاوزات مالية وإدارية ضخمة. ومن أبرز هذه الملفات ما أثارته "المنظمة الوطنية لمكافحة الفساد" في بلاغاتها الرسمية للنائب العام، والتي كشفت عن تلاعب في مخصصات المحافظات من الدعم الدولي، وتوظيف أسماء وهمية، بل ووصول الأمر في بعض المستشفيات إلى استغلال أموال المنظمات لتدريب عمال صيانة غير مؤهلين بدلاً من الكوادر الطبية للحصول على المستحقات المالية.
وانعكس هذا التدهور مباشرة على جودة الخدمة الطبية، حيث تعاني أقسام الغسيل الكلوي ومراكز الأورام من شح مستمر في الأدوية المجانية، في حين تُباع الأدوية المخصصة للمنح في الصيدليات التجارية بأسعار باهظة.
(أمل سعيد - مواطنة ومرافقة لمريض كلى)
* كيف تصفين تجربتك مع المستشفيات الحكومية في عدن؟
- "الوضع كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. والدي يعاني من فشل كلوي، وكلما أتينا إلى المستشفى الحكومي يقولون لنا: 'المحاليل غير متوفرة' أو 'الأجهزة معطلة'. نضطر لشراء المكونات الطبية من الصيدليات الخارجية بأسعار خيالية. نرى المساعدات الطبية تدخل في شاشات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي، لكننا على أرض الواقع لا نرى منها شيئاً. الفساد هنا يسرق حياة الناس".
(د. م. أ - طبيب اختصاصي في مستشفى حكومي بعدن)
حفاظاً على سلامته المهنية والأمنية، تم الرمز لاسمه بحروف مستعارة.
* كأحد الكوادر الطبية، أين تكمن المشكلة الحقيقية في تدهور القطاع الصحي؟
- "المشكلة ليست في نقص الدعم، بل في آلية إدارة هذا الدعم. هناك عشوائية مقصودة في توزيع المنح والمعدات الطبية المقدمة من المنظمات الدولية. رأينا بأعيننا معدات طبية حديثة وثلاجات حفظ تُخزن حتى تتلف، أو يتم التلاعب بمخصصات قطع الغيار الخاصة بها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الفساد الإداري والمحسوبية في التعيينات داخل دهاليز الوزارة ومكتب الصحة أقصيا الكفاءات الطبية، وصعّدا أشخاصاً غير مؤهلين لإدارة مرافق حيوية، مما تسبب في هجرة الأطباء الاستشاريين ونشوء بيئة طاردة للعمل".
أيمن عبدالكريم •• (ناشط في المنظمة الوطنية لمكافحة الفساد)
* ما أبرز الأدلة والملفات التي تحركتم بها قضائياً ضد فساد الوزارة؟
- "تقدمنا ببلاغات رسمية مدعمة بالوثائق إلى النائب العام. وتشمل الملفات تلاعباً مالياً كبيراً، منها وثائق تثبت صرف ميزانيات ضخمة تحت بند 'مرتبات لأطباء أجانب' أو لكادر وهمي لا وجود له على أرض الواقع. وهناك أيضاً قضايا متعلقة باحتكار وحرمان مستشفيات عدن والمحافظات المجاورة من حصصها العادلة من شحنات الأجهزة والمستلزمات الطبية، وتحويل الوزارة إلى مربع للمصالح الضيقة والعائلية. حتى اللجان التي تُشكل للتحقيق يتم محاربتها؛ وقد رأينا كيف قدم رئيس إحدى لجان التحقيق بالوزارة استقالته بسبب تقييد صلاحياته وتواطؤ القيادات العليا".
أصوات من تحت الأنقاض:
ماذا يقول المواطنون عن فساد النظام الصحي في عدن؟
"الصيدلية الخاصة هي الملاذ الوحيد!"
المواطن عبدالرحيم عبدالله، موظف متقاعد، يقول:
"تخيل أنك تذهب إلى المستشفى الحكومي لإجراء عملية جراحية بسيطة، فيطلب منك الطبيب قائمة طويلة من المستلزمات، من القطن وحتى الخيوط الجراحية، وعندما تسأل لماذا لا تتوفر في صيدلية المستشفى المدعومة، يكتفي الممرض بالنظر إليك بشفقة ويقول: 'المخزن فاضي يا عم'.
الحقيقة أننا نشتري أدواتنا من صيدليات خاصة يملكها أصحاب نفوذ داخل المستشفى، بينما المعدات التي تأتي من المنظمات تُهرب لتباع في السوق السوداء".
"الأجهزة معطلة لخدمة المراكز الخاصة"
المواطنة فاطمة عادل، أرملة وأم لطفلين، تقول:
"كنت بحاجة لإجراء أشعة مقطعية لابني، وفي المستشفى الحكومي أخبروني أن الجهاز 'معطل منذ أشهر'. اضطررت للاستدانة لدفع مبلغ كبير في مركز خاص قريب جداً من المستشفى الحكومي. وبعد فترة، عرفت من أحد الموظفين أن الجهاز يعمل بكفاءة، لكن تم تعطيله عمداً لتحويل المرضى قسراً إلى المراكز التجارية الخاصة التي يتقاسم المسؤولون في مكتب الصحة أرباحها".
"قوائم انتظار وهمية للمنح العلاجية"
المواطن سعيد فارع، مريض بمرض مزمن، يقول:
"تصل إلينا أخبار عن وصول شحنات أدوية مجانية للأمراض المزمنة، وعندما نراجع إدارة المستشفى، يضعون أسماءنا في 'قوائم انتظار' لا تنتهي، بينما نرى بأعيننا أشخاصاً لا يحملون ملفات طبية يخرجون من مكاتب المسؤولين ومعهم أكياس مليئة بالأدوية المجانية لبيعها أو توزيعها على أقاربهم. المحسوبية هي التي تحدد من يعيش ومن يموت، وليس احتياج المريض".
"غياب الكادر الطبي والرواتب تُصرف!"
المواطنة نوال علي، ربة منزل، قالت:
"دخلت الطوارئ في ساعة متأخرة من الليل، ولم أجد سوى متدربين لا يفقهون في الإسعاف الأولي شيئاً. الأطباء الأخصائيون والكوادر التمريضية المحترفة يغيبون عن الدوام في المستشفيات الحكومية، لأنهم يقضون وقتهم في العيادات الخاصة أو المستشفيات الاستثمارية. والمصيبة أن هؤلاء يتقاضون رواتبهم كاملة من الدولة، بينما لا يقدمون للمواطن البسيط أي خدمة سوى الصراخ في وجهه إذا طالب بحقه في العلاج".
تلاعب في جودة المحاليل والمستلزمات
المواطن رائد نجيب، من سكان المنصورة، قال:
"ليس فقط نقص الدواء، بل إن الفساد وصل إلى نوعية الأدوية والمحاليل التي يتم شراؤها عبر مناقصات مشبوهة. المحاليل التي نضطر لشرائها من صيدليات المستشفى غالباً ما تكون رديئة الجودة أو قريبة من انتهاء الصلاحية. لقد رأيت بنفسي كيف يتم تغيير أغلفة الأدوية أو تخزينها في أماكن غير مكيفة بسبب انقطاع الكهرباء عن المخازن المخصصة لها، مما يجعلها غير صالحة للاستخدام. نحن نُعالج بأدوية تزيدنا مرضاً، والرقابة على هذا الملف غائبة تماماً".
غياب الرقابة والمحاسبة
على الرغم من إطلاق الحكومة ورش عمل ومجالس تنسيقية لمكافحة الفساد بالتعاون مع الجهات القضائية والأمنية في عدن، فإن الأثر الملموس على القطاع الصحي لا يزال غائباً. كما أن غياب الشفافية في نشر تقارير الهيئة العليا لمكافحة الفساد والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة يسهم في إفلات العابثين بالمال العام من العقاب، مما يجعل "صحة المواطن" الضحية الأولى في هذه المنظومة.
الخلاصة:
إن إنقاذ الوضع الصحي في عدن لا يتطلب ضخ المزيد من الأموال والمنح الدولية التي تذهب في مجاري الفساد، بل يتطلب أولاً وقبل كل شيء "ثورة تصحيحية" وإعادة هيكلة شاملة لوزارة الصحة ومكاتبها، وتفعيل دور النيابة العامة والقضاء لمحاسبة المتورطين في نهب مخصصات المرضى، وإخضاع المنح الدولية لرقابة مجتمعية مستقلة وصارمة. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى المواطن البسيط في عدن يدفع ثمن هذا "التعفن الإداري" من قوته وصحته وحياته.