أجنحة مكسورة ومرافئ منسية .. حين يبتلع الفساد فضاء اليمن وبحره
بين ركام الهويات المنسية، ومسافات الاغتراب القسري، يقف المواطن اليمني اليوم على عتبات بواباتٍ ثلاث: برٌّ جرفته الجبايات، وبحرٌ تقاسمته المرافئ العشوائية، وجوٌّ تحوّلت تذكرة السفر فيه إلى صكّ عبورٍ مالي لا يملك ثمنه إلا ذوو الحظ العظيم.
هنا، في هذا التحقيق، لا ننبش في دفاتر الأرقام الجافة فحسب، بل نقرأ في ملامح الوجوه التي تترقب في صالات المطارات والموانئ، لنرسم مأساة قطاع النقل (براً وبحراً وجواً)؛ قطاعٌ تحوّل من شريان حياة يربط اليمن بالعالم، إلى سكين يقطع أوصال الجسد المنهك.
الجو: تذكرة في سوق النخاسة الطائرة
في صالة المغادرة، يجلس مسنٌّ يلملم ما تبقى من كرامة صبره، ممسكاً بتقرير طبي وتذكرة طيران لـ"الخطوط الجوية اليمنية"، تجاوز سعرها حدود العقل والمنطق. بات السفر جواً في اليمن ليس ترفاً، بل رحلة شاقة لإنقاذ حياة، غير أن جشع الاحتكار حوّلها إلى مغامرة مادية تقصم الظهر.
يقول أحد المسافرين، عبدالرحيم عبدالله، بنبرة تخنقها العبرة:
"لكي نداوي مريضاً في الخارج، كان علينا بيع أرض ورثناها عن أجدادنا، ليس لتغطية تكاليف المستشفى، بل لتسديد قيمة تذاكر الطيران فقط. إننا ندفع ثمن صراعات وتجميد حسابات الشركة من قوت عيالنا".
إن الفساد في قطاع النقل الجوي لا يتوقف عند حدود الاحتكار، بل يمتد إلى غياب الرقابة على الأسعار التي تُصنّف اليوم ضمن الأغلى عالمياً مقارنة بالمسافات المقطوعة. أجنحة "اليمنية" التي كان يُفترض أن تحمل أحلام اليمنيين، تبدو اليوم مكسورة، مكبّلة بحسابات سياسية وصراعات نفوذ مالية، ضحيتها الأولى والأخيرة هو المواطن.
البحر والبر: مرافئ عشوائية وطرقات ملغومة بالجبايات
إذا يمّمت وجهك شطر البحر، تلفحك رياح المأساة من نوع آخر. مرافئ عشوائية مستحدثة نشأت كالفطر على طول السواحل، من "رأس العارة" إلى أرصفة أخرى غير خاضعة لرقابة الدولة الرسمية. هذه الموانئ الموازية باتت ثقباً أسود يبتلع مئات الملايين من الإيرادات الجمركية والضريبية التي كان يمكنها إعادة إعمار البلاد، لتذهب بدلاً من ذلك إلى جيوب شبكات مصالح عميقة.
وعلى البر، لا يبدو المشهد أقل قتامة؛ فالطرقات الرابطة بين المحافظات تحولت إلى "مسارح للابتزاز". نقاط جباية غير قانونية تفرض إتاوات على شاحنات البضائع والقاطرات، ما ينعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والأساسية التي تصل إلى المواطن البسيط بضعف سعرها الحقيقي.
المعالجات الحالية حبر على ورق ينتظر التنفيذ
تتحدث وزارة النقل اليوم عن مصفوفة إصلاحات لعام 2026: قرارات حازمة بإغلاق المنافذ العشوائية، وتوجيهات صارمة بتوريد جميع إيرادات الهيئات والمؤسسات التابعة لها إلى الوعاء الموحد في البنك المركزي اليمني، وتفعيل التحول الرقمي للحد من الرشوة.
لكن، وعلى الرغم من بلاغة هذه الوعود الحكومية، يظل الواقع على الأرض متجاوزاً للنصوص القانونية. فالانقسام المؤسسي والأمني يفرض ظلاله، والخطوات نحو المحاسبة وإلزام القيادات بتقديم إقرارات الذمة المالية إلى هيئة مكافحة الفساد ما زالت تتحرك بخطى وئيدة، أشبه بخطى سلحفاة في مضمار سباق محتدم.
الإنذار الأخير: السيناريو الأسود القادم
إن المؤشرات الدولية لا تجامل أحداً؛ فحين تستقر اليمن في المرتبة 177 عالمياً في مؤشر مدركات الفساد، وتُصنَّف موانئها ومطاراتها ضمن الأقل كفاءة والأعلى مخاطرة، فإننا لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن انهيار هيكلي وشيك.
إذا لم يتم تدارك الوضع الآن، وإذا استمر التراخي في تنفيذ المعالجات السريعة، فإن المستقبل يحمل ملامح شديدة القتامة:
عزلة دولية مطلقة
قد تصل الخطوط الملاحية وشركات الطيران الدولية المتبقية إلى قناعة تامة بمقاطعة الأجواء والموانئ اليمنية نهائياً، بسبب ارتفاع كلفة التأمين ومخاطر التشغيل.
انفجار اجتماعي وإنساني
استمرار ارتفاع أسعار التذاكر والجبايات البرية يعني حرمان آلاف المرضى والطلاب من السفر، وتحول البلاد إلى "سجن كبير مفتوح"، فضلاً عن ارتفاع جنوني غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية نتيجة ارتفاع كلفة النقل.
شرعنة الاقتصاد الموازي
غياب الحسم الإداري سيؤدي إلى ابتلاع الفساد المنظم لما تبقى من هيكل الدولة، لتصبح المرافئ العشوائية ونقاط الجبايات هي "الأمر الواقع" البديل والمعترف به بقوة السلاح والمصلحة.
خاتمة:
إن تقليص أسعار التذاكر وضبط منافذ البلاد البرية والبحرية ليس مجرد مطلب اقتصادي أو ترف حقوقي؛ بل مسألة حياة أو موت لبلد يتنفس من رئة صناعية. إن الوقت لم يعد حليفاً لأحد، والجرأة في استئصال شأفة الفساد المالي والإداري في وزارة النقل هي الطوق الأخير للنجاة، قبل أن تطير الطيور بأرزاقها وتغرق السفن بما حملت.