آبار مأرب لتمويل شبكات إقليمية.. الوجه الخفي لإمبراطورية الاخوان المالية
لم يعد حزب الإصلاح، ذراع الإخوان في اليمن، ذلك المكون الجذاب في المجتمع اليمني، ولا العربي والاسلامي، بعد انكشاف حقيقته وزيف تلبسه لرداء الدين لتغطية جرائمه المتعددة والمتنوعة، فقد انكشفت ألاعيبه وأهدافه وخيانته للأمة اسلاميا واليمنيين محليا، وتحالف دعم الشرعية سعوديا، وتزايد الوعي بخطورته دوليا ما فتح الباب على مصراعيه لتصنيفه ارهابيا.
نماذج لفضائح فساد اصلاحية
سنتوقف قليلا مع بعض فضائح الفساد الاصلاحية قبل الدخول الى الحلقة الثانية من تقرير " حزب الاصلاح .. من العباءة الدينية الى فضائح الخيانات".
والبداية من تعز التي تعد اكبر ضحية للاخوان، حيث كشف تقرير رسمي صادر عن الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، عن أكبر عملية عبث مالي وفساد منظم مارسها حزب الاصلاح "الاخوان" الحاكم في تعز بالقوة، تمثلت بنهبه مبالغ تجاوزت 1.4 مليار دولار أمريكي، إضافة إلى مليارات الريالات، خلال خمس سنوات من مجال الاغاثة الانسانية، ومشاريع منظمات أهلية ودولية، أبرزها منظمات مرتبطة بقيادات في حزب الإصلاح (إخوان اليمن).
وفي مأرب، الوكر الاخر لفساد الاصلاح، تسجل التقارير قيام سلطة الحزب المفروضة على المناطق المحررة بالمحافظة، بنهب ما يزيد عن 750 مليار ريال من مبيعات النفط سنويا، و300 مليار ريال سنويا من مبيعات الغاز.
نفط مأرب شريان الاخوان
تشير التقارير الاقتصادية حول الوضع المالي لليمن في ظل الازمة الراهنة، الى انه منذ 2015، تحولت آبار النفط والغاز في مأرب إلى شريان حياة مالي يغذي الإخوان ككيان موازي للدولة الوطنية، وان حزب الاصلاح الاخواني نجح في توظيف الظروف الإقليمية ليعمل بمنأى عن سيادة الدولة.
ففي عام 2019 أكدت تقارير فريق الخبراء الدوليين المعني باليمن ي مجلس الامن الدولي التابع للامم ا لمتحدة، أن إيرادات المناطق المحررة في مأرب تتراوح بين 1.5 و2.7 مليون دولار يومياً، وانها لم تعد تورد إلى حساب الحكومة الموحد في البنك المركزي بعدن، بل تدار عبر شبكة معقدة من الحسابات المحلية وشركات الصرافة والقنوات المصرفية الموازية التي تخضع بالكامل لسيطرة حزب الإصلاح، الذراع السياسي لجماعة الإخوان في اليمن.
وحسب التقارير، لم يعد "حزب الاصلاح" منذ 2015 مجرد فرع تنظيمي تابع لمركز خارجي، بل تحول إلى كيان شبه دولي يجمع بين السيطرة الفعلية والكاملة على موارد اقتصادية سيادية محددة بـ 11 ألف برميل نفط و2150 طن غاز يومياً تباع بسعر 350 الف للطن الواحد، مما يدر عليه إيرادات تتجاوز 274 مليار ريال سنويًا، غير بقية الموارد التي يديرها الحزب في مناطق اخرى واقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دوليا.
وتؤكد التقارير، بأن حزب الاصلاح بدأ منذ خيانته لليمنيين في العام 2011 نتيجة قيادته لفوضى وخراب شامل في البلاد بالتنسيق والشراكة مع جماعة الحوثي المدعومة من ايران، بدأ يعيد ترتيب وضعه التنظيمي بحيث اصبح لديه الهياكل الإدارية المحلية والقوات المسلحة الموالية والموانئ البرية، مما منح جماعة الإخوان استقلالية مالية وعسكرية نادرة في سياق الدولة اليمنية المتآكلة.
وكشفت التقارير، أن جزء كبير من هذه العائدات النفطية والغازية توجه مباشرة لتمويل معسكرات تدريبية خاصة، ومراكز لوجستية تعمل خارج التسلسل القيادي لوزارة الدفاع اليمنية، وخارج الآليات الرقابية الرسمية والاممية المشتركة مع السعودية، حيث وثقت تقارير وجود 6 معسكرات سرية في مناطق صحراوية بين مأرب والجوف، ومعسكر خاص في جنوب تعز، تدار تحت إشراف قيادات ظل عسكرية تابعة للإخوان، ويتلقى فيها مئات المنتسبين اليها تدريبات على الأسلحة المتقدمة قبل تكليفهم بمهام أمنية داخلية.
ولا تقف هذه الشبكة المالية عند حدود اليمن، بل تمتد لتشكيل قنوات تحويل إقليمية معقدة تضمن استدامة التدفقات النقدية لأنشطة الجماعة داخل البلاد وخارجها، حيث تشير وثائق برلمانية وتقارير استقصائية إلى استخدام منفذ الوديعة الحدودي مع السعودية وشبكات صرافة في دول الجوار لتحويل الأموال وتبييضها تحت مسميات تجارية وهمية، في عملية ممنهجة تهدف إلى حماية هذه الموارد من الرقابة المركزية وضمان استمرار تمويل العمليات السياسية والعسكرية للجماعة، خاصة أن فرع البنك المركزي في مأرب غير مرتبط بنظام SWIFT، ولا يشارك البيانات مع المقر الرئيسي في عدن، مما يحول دون أي رقابة مالية مركزية على التدفقات النقدية.
استغلال الاخوان للتحالف
ووفقا للتقارير، فقد نجح حسب الاصلاح الاخواني، منذ 2015م في استغلال التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية، وتمكن الاخوان ببراعة سياسية وإدارية وتحت لافتة الشرعية، تحويل الدعم الإقليمي والسعودي على وجه التحديد، المخصص لقتال الحوثيين إلى قنوات تمويلية تعزز سيطرت الاصلاح المحلية، دون أن يعني ذلك تواطؤ مقصود من السعودية، بل يعكس بوضوح قدرة الجماعة على استثمار الفراغ المؤسسي وتعقيدات الحرب لبناء شبكات مالية موازية يصعب على أي طرف خارجي مراقبتها أو التحكم فيها.
ويطرح الخبراء تساؤلات جوهرية حول كيفية ضمان توافق آليات الدعم الإقليمي مع الالتزامات الدولية في مكافحة تمويل الجماعات المتطرفة، والأخطر من ذلك، أن هذا الكيان المالي والعسكري في مأرب بات يستخدم كنقطة ارتكاز إقليمية لتمويل أو دعم أنشطة شبكات جماعة الإخوان في دول الجوار، مما يحول محافظة مأرب عمليًا إلى مركز مالي وتشغيلي يغذي فروع تنظيمية في أكثر من ساحة إقليمية، في تحول نوعي يجعل من جماعة الإخوان في اليمن منذ 2015 ليس مجرد فرع، بل مغذي رئيسي لباقي الفروع الدولية في المنطقة، وهذا يعكس خطر استراتيجي يتجاوز الحدود اليمنية ليمس استقرار المنظومة الأمنية الإقليمية برمتها.
دائرة مالية مغلقة
وفي مواجهة هذه الوقائع، يظل موقف البنك المركزي اليمني في عدن، عاجزا أمام اتخاذ الاجراءات الفعلية ضد السلطات القائمة في مأرب وتعز، لاستعادة السيادة المالية، حيث يستمر الرفض الاخواني لتوريد ايرادات الدولة الى البنك بحجة الضرورات الدفاعية وغياب الدعم المركزي.
ووفقا للمعلومات فإن ذلك الرفض من قبل عناصر الاصلاح حول الإدارة المالية في مأرب وتعز إلى دائرة مغلقة لا تخضع لتدقيق ديوان الرقابة المحاسبي ولا تنشر بياناتها للعموم، في حين يشتكي سكان مأرب من تباين صارخ بين حجم العائدات الهائل المتاح والمقدر بـ 1.8 إلى 3.2 مليار دولار خلال الفترة 2019- 2024 وتردي الخدمات الأساسية، مما يعكس فجوة رقابية كبيرة وحقيقية تفتح الباب أمام التساؤلات المشروعة حول أولويات الصرف وشفافية العقود، ولا يمكن اختزال هذا المشهد في خلاف محاسبي بين مسؤولين، بل هو نموذج خطير لكيفية تحويل هذه الموارد الطبيعية في مناطق النزاع إلى أداة لتمويل هياكل موازية تعمل بمعزل عن المساءلة العامة، فالوقائع تظهر أن استمرار الدورة المالية الموازية لا يضعف قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة واستقرار سعر الصرف فحسب، بل يعمق تجزئة السيادة المالية للدولة ويخلق واقع جديد تصبح فيه الثروة الباطنية وقود لانقسام مؤسسي مستدام بدلاً من أن تكون ركيزة لإعادة بناء العقد الاجتماعي والمالي بين الدولة ومواطنيها.
تعدد الخيانات الاخوانية
ومن خلال تتبع بدايات الخيانة التي يمارسها حزب الاصلاح الاخواني في اليمن مستغلا تواجده في اطار الدولة كحزب سياسي، نجد انه بدأ تلك الخيانة مع اعلان الوحدة في 22 مايو 1990، والتي سيحتفل اليمنيين بذكراها الـ 36 الخالدة قريبا، بدأ تحديدا في تاريخ 13 سبتمبر 1990، يوم تأسيس حزب الإصلاح، تجسد ذلك بما كتبه الشيخ عبدالله بين حسين الأحمر في مذكراته، التي كشف فيها ان جماعته المتمثلة بحركة الاخوان رفضت التوقيع على اتفاقية الوحدة، بحجة وانها مع الحزب الاشتراكي، وانه طلب منهم تأسيس حزب بدل العمل كتيار تابع لجماعة الاخوان، حتى يتمكنوا العمل في ظل عهد الوحدة القائم على التعددية الحزبية.
ووفقا للمعلومات المحلية فإن حزب الاصلاح خان اليمنيين في اكثر من مناسبة ومرحلة خلال تاريخه الاسود، ابرزها واهمها فوضى فبراير 2011، واستهدافه لجامع دار الرئاسة في يونيو من نفس العام ومحاولة اغتيال رجالات الدولة ورمز اليمن الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح، وتنسيقه مع جماعة الحوثي المدعومة من ايران.
وحول ادخال الحوثيين الى صنعاء، تؤكد المعلومات تمويل حزب الاصلاح لجميع انشطة الحوثيين في ساحات الفوضى، والتزامه بتوفير الاكل والمشرب والخيام وطباعة شعارات الجماعة وتمويل انشطتها التي كانت تنظمها في اطار ساحات الاخوان الفوضوية، والتي تعد البداية الحقيقية لتنسيق الجماعتين لتدمير اليمن لاحقا.
ومؤخرا ظهرت شهادات من قيادات اخوانية مثل صلاح باتيس عضو مجلس النواب عن حزب الاصلاح، ونجل حميد القشيبي القيادي في الاصلاح قائد اللواء 310 بعمران، والعولقي قائد الشرطة العسكرية في عمران العام 2014، بأن عملية اقتحام صنعاء من قبل الحوثيين تمت بالتنسيق مع حزب الاصلاح وحكومة هادي، والتي بدأت باخراج السلفيين من دماج صعدة مرورا باقتحام معسكر عمران.
وتتعدد خيانات الاصلاح (الذراع السياسي للإخوان المسلمين في اليمن) بحق اليمن واليمنيين، ابرزها التواطؤ العسكري وتسليم الجبهات ومواقع عسكرية لعصابة الحوثي الايرانية ابرزها في جبهات نهم بصنعاء والجوف والبيضاء وجنوب مارب وغربي شبوة، مما أدى إلى طعن الجمهورية وسقوط صنعاء.
ومن الخيانات البارزة والموثقة، "المتاجرة بالجيش الوطني" عبر إنشاء ألوية وهمية بأسماء أفراد غير موجودين للاستحواذ على الرواتب والاعتمادات المالية والتموين العسكري المقدم من التحالف العربي، لتمويل أنشطة الحزب الخاصة.
من الخيانات، عقده تفاهمات سرية مع جماعة الحوثي، وهو ما يصفه اليمنيين بالخيانة والصفقات الجبانة، والتي بدات بلقاء حميد الاحمر، عبدالملك الحوثي في صعدة وتنسيق الجانبين لتنفيذ فوضى 2011، وما تلاها من مؤامرة على اليمن واليمنيين وصلت حد شن حرب شاملة لتدمير كل منجزات البلاد واستهداف قيادته ورموزه وفي مقدمتهم الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح في ديسمبر 2017.
ومن الخيانات الاخوانية لليمن واليمنيين والمنطقة، رعاية إخوان اليمن "الاصلاح" لتوطين عناصر من "القاعدة" و"داعش" في شبه الجزيرة العربية، وتوفير مقرات ومعاقل لتلك التنظيمات في عدة محافظات يمنية ابرزها مارب وحضرموت وشبوة وابين والبيضاء.
وخيانة الاصلاح لقضايا الامة والمنطقة، تتجسد في متاجرة الحزب بقضية فلسطين وتحويلها الى مناسبة لكسب الاموال، واستغلالها لزيادة مؤيديه، ورفع مكانة الحزب السياسية والاجتماعية والدينية في اوساط الامة، لكن اعلانه الاخير بتجريم دعم غزة من بعض الساحات العربية أو ظهور بعض كوادره على وسائل إعلام معادية، فضح توجه الاصلاح بالنسبة للقضية الفلسطينية.
خيانة متواصلة
تمارس قيادة حزب التجمع اليمني للإصلاح، الفرع المحلي لجماعة الإخوان، خيانة متواصلة لليمن واليمنيين والعرب والمسلمين، فهو يعيش ويتطور على الخيانة وممارسة التضليل والمتاجرة بالدين لتحقيق غايات تنظيم الاخوان الدولي.
ما يهمنا هنا، خيانة الاصلاح محليا، والمتمثلة بالتهرب من المسؤوليات الإدارية والسياسية، واستغلال نفوذ الحزب في مفاصل السلطة لتعزيز مصالح الاخوان الخاصة، من خلال استغلال سيطرته الاستراتيجية على مأرب وتعز.
فقد استغل حزب الاصلاح نفوذه في السلطة لتأسيس مؤسسات خاصة، تشمل بنوكًا وشركات وجامعات ومستشفيات، بينما يتنصل في الوقت نفسه من تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين في المحافظات التي يهيمن عليها.
وحسب المعلومات المؤكدة، فان الاصلاح ومنذ رئاسة عبد ربه منصور هادي عام 2012، تمكن من بسط نفوذه على مؤسسات الدولة، ليجمع بين السيطرة الفعلية على الأرض وادعاء المعارضة، وهو ما مكّنه من تحقيق مصالحه دون تحمل المسؤولية الكاملة عن الأداء الإداري والخدمات المتردية.
ويهدف حزب الاصلاح من وجوده في اطار الشرعية واستغلاله للتحالف العربي، لاستمرار وجوده والسيطرة على المرافق والمنشآت والمناطق المحررة، ولا يكترث لتحرير صنعاء، بل ارتبط الاصلاح بعلاقة تدميرية لليمن مع جماعة الحوثي والتنظيمات الارهابية، الامر الذي دفع المجتمع الدولي والاقليمي نحو دراسة امكانية تصنيفه كمنظمة ارهابية كبقية فروع تنظيم الاخوان في دول اخرى.
ورغم نفي الكثير من الأحزاب والجماعات صلتهم بالإخوان المسلمين إلا أنّهم في بنائهم التنظيمي، وحضورهم الاجتماعي والسياسي والعسكري يتطابقون مع أدوات وآليات جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يجعل نفيهم وإنكار صلتهم بالجماعة تصريحات لحظية صورية، يفرضها وضع الرفض العام لجماعة الإخوان المسلمين على مستوى العالم، ومنهم حزب الإصلاح بطبيعة الحال، الذي ما زال يعمل بمنطق سلطة الحزب والسيطرة على حساب تحرير صنعاء.
يتبع الحلقة المقبلة