قيادة من حديد وحياة من زهد ..كيف صنعت ميركل مجد ألمانيا وعاشت في شقة بسيطة؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في برلين عاصمة ألمانيا  غادرت السيدة انجيلا دورتيا ميركل السلطة بهدوء يشبه تماماً الطريقة التي أدارت بها أقوى اقتصاد أوروبي لمدة 16 عاماً. 
أنجيلا ميركل، التي لقبت بـ "المرأة الحديدية" و"أم الألمان"، لم تغير مكان إقامتها بعد التقاعد، بل عادت إلى شقتها العادية في قلب برلين، محمية بحارس واحد، لتثبت أن النزاهة والزهد ليسا مجرد شعارات سياسية، بل نمط حياة.
مسيرتها كانت عبارة عن رحلة في محطات غير تقليدية
من عالم الفيزياء إلى قمة السياسة الألمانية

نشأت في ألمانيا الشرقية ايام العهد  الشيوعي،هي  ابنة لقس بروتستانتي و حصلت على الدكتوراه في الفيزياء الكيميائية وعملت كباحثة وكانت نقطة التحول عندها عندما انضمت للسياسة بعد سقوط جدار برلين عام 1989 وفي  صعود تاريخي تولت أمانة الحزب المسيحي الديمقراطي ثم المستشارية عام 2005 وبهذا تكون  أول امرأة تتولى منصب المستشار في تاريخ ألمانيا.

حققت قفزة تاريخية للاقتصاد الألماني
فلم تكن إدارة ميركل مجرد حنكة سياسية، بل انعكست في مؤشرات نمو قياسية نقلت ألمانيا إلى مستويات غير مسبوقة:

* توسع اقتصادي هائل: نما الاقتصاد الألماني (الناتج المحلي الإجمالي) بمقدار 34% طوال فترة حكمها، متفوقاً بفارق 15 نقطة مئوية كاملة عن فرنسا، أقرب منافسيها في الاتحاد الأوروبي.
* سحق معدلات البطالة: هبطت البطالة من مستوى كارثي بلغ 11.1% عام 2005 إلى أدنى مستوياتها التاريخية بنسبة بلغت نحو 3.8%.
* خلق ملايين الوظائف: نجحت السياسات الاقتصادية في دخول 5 ملايين موظف جديد إلى سوق العمل الألماني.
* خفض الدين العام: تراجع معدل الدين الحكومي إلى الناتج المحلي من 67% عام 2005 ليصل إلى 60% قبل الجائحة، مطبقة مبدأ "صفر العجز" بصرامة.

كما لقبت حامية العرش الأوروبي واسهمت في تقوية الاتحاد والدفاع عن الكتلة الاوربية وعملة اليورو  حيث قادت خطط الإنقاذ المالي الصارمة لحماية العملة الموحدة.
وأدارت بنجاح ملف الديون اليونانية وحافظت على تماسك الاتحاد مثلما شاركت في احتواء الأزمات وقادت العقوبات الأوروبية ضد روسيا بعد ضم القرم عام 2014 وفي الشق الانساني تعاطت بايجابية مع ملف اللاجئين و فتحت حدود ألمانيا عام 2015 في قرار إنساني تاريخي غير وجه أوروبا.
تحت المجهر العالمي:
كيف رأت الصحافة الدولية شخصية ميركل؟

حظيت ميركل بإشادات دولية واسعة من كبرى المؤسسات الإعلامية التي رأت فيها نموذجاً فريداً للقيادة:

  1. صحيفة الغارديان البريطانية (The Guardian): أشادت بعفويتها الفريدة ونقائها القيادي، واصفة إياها بالمرأة التي تستطيع ممارسة السياسة والتعبير عن اهتماماتها ببساطة ونزاهة طبيعية دون الحاجة إلى التزييف أو التصنع البروتوكولي المعقد.
  2. صحيفة دير شبيغل الألمانية (Der Spiegel): رصدت حالة التقدير الشعبي الجارف لها بعد التقاعد، مشبهة الكاريزما الهادئة والجاذبية وصيحات الترحيب التي تلاقيها ميركل في ظهورها العام بتلك التي كانت تحظى بها "الملكة الأم" في بريطانيا، لما تمثله من رمز للأمان والاستقرار.
  3. صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية (The New York Times): ركزت على عمق النزاهة والمسؤولية الأخلاقية لديها، مبرزة كلماتها الوداعية المؤثرة حين غادرت السلطة قائلة: "أشعر بالتواضع الشديد والامتنان"، لتعكس شخصية قيادية نادرة تضع خدمة الوطن فوق بريق المناصب والامتيازات.

عندما اسدلت الستار على العمل العام عادت إلى  شقة برلين البسيطة وحارس واحد

رفضت الانتقال إلى أي فيلا أو قصر حكومي طوال حكمها. ورجعت الى العنوان الثابت لها اذ تعيش في شقة مستأجرة بطابق علوي في مبنى عادي ببرلين وأمن متواضع اذ يكتفي محيطها بوجود حارس أمني واحد لحماية المبنى.
* الحياة الآن: تقضي وقتها في القراءة، الطهي، والتنزه في الطبيعة بعيداً عن الأضواء.

إن إرث أنجيلا ميركل لا يقاس فقط بالمليارات التي أضافتها للاقتصاد، بل بالنموذج الأخلاقي الذي تركته لزعماء العالم، مؤكدة أن قوة القائد تكمن في عقله ونزاهته، لا في فخامة قصره.