اليمن وذاكرة الوحدة.. 36 عاماً على الحلم العربي الذي قاوم الانقسام
في العالم العربي دول قامت بالصدفة، وأخرى قامت بالحروب، وقليل منها قام على فكرة. واليمن الوحدوي كان فكرة قبل أن يكون دولة، وحلماً قبل أن يصبح علماً يرفرف فوق صنعاء وعدن معاً.
في 22 مايو 1990 لم يوقّع اليمنيون على اتفاق سياسي فقط، بل أغلقوا واحداً من أكثر ملفات التشطير العربي إيلاماً. يومها لم يكن المشهد مجرد مصافحة بين رئيسين، بل لقاء تاريخ طويل من الدم والحنين والأسئلة المؤجلة. الشمال الذي قاتل الإمامة، والجنوب الذي قاتل الاستعمار، التقيا أخيراً عند جملة بسيطة وصعبة: اليمن واحد.
الوحدة اليمنية لم تأتِ من فراغ. قبلها بسنوات طويلة، كان المقاتل الجنوبي يعبر إلى الشمال دفاعاً عن ثورة سبتمبر، وكان الشمالي يحمل السلاح إلى جانب رفاقه في الجنوب ضد البريطانيين. السياسة فرّقت الجغرافيا، لكن الناس ظلوا يتصرفون كأن اليمن بلد واحد، لأنهم يعرفون ذلك في أعماقهم.
أتذكر أن كثيرين في العالم العربي نظروا يومها إلى الوحدة اليمنية باعتبارها الاستثناء الجميل في زمن الانقسامات. العرب كانوا يخرجون من حروب أهلية وانقلابات، بينما اليمن يدخل تجربة وحدوية سلمية، فيها دستور وانتخابات وتعددية حزبية وصحافة وحياة سياسية مفتوحة. لم يكن الأمر مثالياً، لكنه كان مشروع دولة، وهذا وحده كان إنجازاً نادراً في المنطقة.
الرئيس الراحل علي عبدالله صالح امتلك، شئنا أم أبينا، غريزة السياسي الذي يعرف طبيعة المجتمع اليمني وتعقيداته. لم يكن بناء الوحدة قراراً سهلاً بين نظامين مختلفين، ولا بين تاريخين مثقلين بالحروب والشكوك. لكن الرجل مضى في المشروع حتى النهاية، مدركاً أن يمنين ضعيفين لن يصنعا وطناً قوياً.
ثم جاءت السنوات التي قرر فيها البعض هدم السقف فوق رؤوس الجميع. ما سُمّي بالتغيير تحول سريعاً إلى فوضى، والفوضى في العالم العربي لا تبقى فراغاً طويلاً؛ تملؤها الطائفية والمليشيات والتدخلات الخارجية. وهذا ما حدث في اليمن.
اليوم، يدفع اليمنيون ثمن انهيار الدولة أكثر مما يدفعون ثمن أخطاء السلطة. الفارق كبير بين الأمرين. الدولة حين تسقط، تسقط معها العملة والجامعة والجيش والشارع والذاكرة المشتركة. وهذا ما جعل كثيرين يعيدون النظر في معنى الوحدة، لا باعتبارها شعاراً سياسياً، بل ضرورة وجودية.
مشروع الحوثيين، مثلاً، لا يبدو مشروع دولة حديثة بقدر ما يبدو استعادة لسلالية قديمة بلباس معاصر. والمشاريع المناطقية الأخرى لا تقدم لليمن سوى خرائط أصغر وأزمات أكبر. وفي الشرق الأوسط، الدول الصغيرة لا تعيش طويلاً إلا تحت وصاية أحد.
الوحدة اليمنية ليست نصاً مقدساً، ويمكن نقد التجربة وأخطائها واختلالاتها، وهذا حق طبيعي. لكن علاج الأخطاء لا يكون بتفجير البيت على من فيه. الدول تُصلح بالإصلاح السياسي والعدالة والشراكة، لا بإعادة إنتاج التشطير والكراهية.
ما يحتاجه اليمن اليوم ليس خطاباً عاطفياً عن الماضي فقط، بل مشروعاً وطنياً يعيد الاعتبار لفكرة الجمهورية والدولة والمؤسسات. الشباب اليمني الذي وُلد وسط الحرب لا يريد خطباً طويلة، بل يريد وطناً قابلاً للحياة: راتباً، جامعة، كهرباء، وقانوناً يحمي الجميع بالتساوي.
ومع ذلك، يبقى 22 مايو أكثر من مجرد ذكرى رسمية. إنه تذكير بأن اليمنيين استطاعوا، ذات يوم، أن ينتصروا على الجغرافيا والانقسام والمصالح الصغيرة. وهذه ليست مسألة عابرة في تاريخ العرب.
قد يطول الطريق، وقد تتكاثر المشاريع الصغيرة والرايات المؤقتة، لكن اليمن، بحكم التاريخ والناس واللغة والمصير، سيظل يبحث عن نفسه في صورة الوطن الواحد. وفي النهاية، لا أحد يتذكر الخرائط المؤقتة، بل يتذكر الأوطان التي بقيت.