هكذا يستقبل مواطنو إب الخضراء عيد الأضحى كيف تحوّلت "الجنة" إلى إقطاعية لـ"أمراء الجحيم"؟
في قديم الزمان، وقبل أن يكتشف العلم الحديث أن بإمكان البندقية أن تبتلع المساحات الخضراء، كانت هناك مدينة تُدعى إب. كانوا يسمونها "اللواء الأخضر"، وكان ذنبها الوحيد أنها جميلة أكثر من اللازم، ومسالمة إلى الحد الذي جعلها لقمة سائغة في جوف مليشيا لا تؤمن إلا بلون واحد: لون البارود، ولون الموت المغلف بالشعارات.
اليوم، لم تعد إب تحتضر فحسب، بل إنها تمارس فعل الموت ببطء شديد، وتحت إشراف مباشر من حكامها الانقلابيين الجدد الذين وفدوا إليها من كهوف التاريخ ليعلّموا أهلها كيف يمكن لـ"الجنة" أن تُدار بعقلية "الجحيم".
عبقرية المليشيا.. تحويل الخضرة إلى "مربعات جباية"
من يزور إب اليوم لن تبهره شلالات المشنة أو خضرة بعدان، بل ستبهره تلك العبقرية الفذة لمشرف مليشيا الحوثي الذي ينظر إلى الطبيعة الساحرة بوصفها "أوعية زكوية مؤجلة". ففي قانون المسيرة، الشجرة ليست مصدراً للأكسجين، بل مشروع "قسيمة مخالفة"، والمطر الذي يهطل بكرم على جبال المدينة ليس نعمة إلهية، بل قطرات يجب أن تخضع لـ"الخمس" أو تُفرض عليها جمارك قبل أن تصل إلى جوف الأرض.
لقد نجحت المليشيا في تحقيق ما عجزت عنه قاحلات الصحارى؛ إذ جعلت المدينة الخضراء تبدو رمادية من شدة البؤس. فالمشرف هناك يتجول فوق الأطقم العسكرية، ناظراً إلى المواطن الإبيّ ـ المثقف والمعلم والطبيب والمزارع ـ ليس كمواطن له حقوق، بل بوصفه "ممولاً إجبارياً" لرحلاتهم المقدسة نحو المجهول.
القضاء والعدل.. "الحَكَم هو الخصم والجلاد"
في إب المحكومة بالمليشيات الحوثية، تم تحديث مفهوم العدالة السائد منذ قرون. لم تعد هناك حاجة للقوانين أو المحاكم الروتينية المملة، بل اختُصرت السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، في جيب "أبو صقر" أو "أبو شهاب".
إذا اختلفت مع جارك على شبر أرض في إب، فلا تذهب إلى محكمة، بل اذهب إلى أقرب مشرف حوثي؛ فهو سيتكفل بمصادرة الأرض منكما معاً حقناً للدماء، ثم يودعكما السجن بتهمة "التخابر مع العدوان" لأنكما أشغلتما وقته الثمين عن التعبئة.
قانون واحد هو قانون المجهود الحربي
تحولت المحافظة التي أنجبت أكابر المثقفين والقضاة إلى ساحة مفتوحة للاستباحة؛ فالقانون الوحيد النافذ هو قانون "المجهود الحربي"، وهو مطاطي بما يكفي ليشمل نهب الأراضي، واقتحام المنازل، وفرض الإتاوات على بائعي "الجعالة" في الحارات.
مفارقة السخرية.. الموت غرقاً في "بلد السفوح"
المفارقة الساخرة التي تبكي دماً هي أن إب، مدينة الأمطار والسيول والمياه العذبة، باتت تئن تحت وطأة العطش، أو تموت غرقاً بسبب الإهمال المتعمد. فشوارع المدينة التي كانت تُغسل بالمطر تحولت إلى حفر ومستنقعات تصطاد العابرين، بينما تذهب ميزانيات التحسين والصيانة إلى جيوب المشرفين لشراء العقارات والسيارات الفارهة في شيراتون وحدّة بصنعاء.
وحين يمر الطقم الحوثي مسرعاً في شوارع إب المتهالكة، يوزع الغبار والرذاذ على وجوه المارة، وكأنه يرسل رسالة مبطنة: "نحن هنا لنحكمكم، وواجبكم أن تحذروا من اتساخ أطقمنا بدموعكم".
الكابوس الذي يرفض أن ينتهي
لم تُظلم مدينة في التاريخ الحديث كما ظُلمت إب. لقد سُلبت هويتها الثقافية، ونُهبت خيراتها، وحُرمت حتى من حقها في الحزن بصوت مرتفع.
فالحاكم الظالم هناك لا يكتفي بجلد الضحية، بل يطالبها بأن تدفع ثمن "السوط"، وأن تهتف بالصرخة ترحيباً بالجلاد.
ستظل إب تحتضر، ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها مدنية بالكامل في مواجهة همجية مسلحة؛ مدينة تحاول البقاء على قيد الحياة رغم أن من يحكمها يرى في الحياة نفسها رجساً من عمل الشيطان، ما لم تكن مختومة بشعار المليشيا.
كيف تستقبل إب عيد الأضحى في ظل حكم المليشيا؟
العيد بطعم "الجباية"
لا يأتي العيد إلى إب محملاً بالفرح، بل يسبقه المشرفون بقوائم طويلة من الإتاوات المفروضة على المحلات والمزارعين تحت مسمى "عيدية المجاهدين"، ليتحول العيد من موسم بهجة إلى عبء ثقيل يهدد لقمة عيش البسطاء.
أضاحٍ لـ"أولي الأمر" فقط
في اللواء الأخضر، باتت الأضحية حلماً بعيد المنال للمواطن الذي انقطع راتبه لسنوات؛ فبينما تعجز آلاف الأسر عن شراء كيلوغرام واحد من اللحم، تمر أطقم المليشيا محملة بأفخم الأضاحي المنهوبة من جيوب التجار والمزارعين.
ساحات الصلاة المُسيّسة
أُخضعت تكبيرات العيد في المصليات والمساجد لـ"كتالوج" مليشيا الحوثي، حيث تُستبدل روحانية العيد بالخطب الطائفية والتحريضية، ويُجبر المصلون على الاستماع إلى تمجيد "السيد" بدلاً من التراحم والتهنئة.
ملابس العيد.. "فرجة" خلف الزجاج
تقف الأمهات في أسواق إب بدموع حائرة أمام واجهات المحلات، بعدما تضاعفت أسعار ملابس الأطفال بفعل الجمارك المزدوجة والإتاوات الحوثية، ليعود الصغار بمشاعر مكسورة وثياب العام الماضي.
الحدائق العامة.. "ثكنات ترفيهية"
المنتزهات والحدائق التي كانت تكتظ بالعائلات تحولت إلى مساحات يستعرض فيها المسلحون أسلحتهم وسياراتهم الفارهة، ما جعل الخروج للنزهة مغامرة غير آمنة تتجنبها العائلات حفاظاً على كرامتها وسلامتها.
عيدية بطعم "المجهود الحربي"
تحول التقليد اليمني الجميل، المعروف بـ"العَسَب" أو "العيدية"، من رمز للتكافل الاجتماعي إلى وسيلة ضغط، حيث يُطالب المواطن المنهوب بدفع عيديته للمليشيا دعماً لجبهات الموت بدلاً من إسعاد أطفاله وأرحامه.
المقابر.. الوجهة الأكثر ازدحاماً في العيد
تصبح "روضات الشهداء" ـ المقابر التي أنشأتها المليشيا ـ المعلم الأبرز خلال أيام العيد، حيث تُجبر الأسر المكلومة على زيارة قتلاها وسط بهارج مصطنعة، لتقليب مواجع الفقد بدلاً من عيش أجواء المناسبة.
شوارع غارقة بطقوس غريبة
بدلاً من زينة العيد المعتادة، تكتسي شوارع إب الخضراء باللافتات الخضراء والشعارات الطائفية التي لا تشبه هوية المدينة، ما يشعر السكان بأنهم مغتربون داخل وطنهم وفي أقدس أيامهم.
أرصفة تكتظ بالنازحين والمستجدين
في كل ركن من أسواق المدينة، يتضاعف عدد المتسولين من النساء والأطفال الذين دمرت المليشيا سبل عيشهم، ليصبح مشهد العيد في إب لوحة صارخة للفوارق الطبقية بين شعب يجوع ومشرفين يزدادون ثراءً.
الابتسامة المغدورة.. في النهاية
ستعيش إب عيد الأضحى بجسدها المثقل بالجراح، تحاول أن تصطنع الفرحة إكراماً لقلوب الأطفال، لكنها فرحة مخنوقة برائحة البارود، وغصة في الحلق تترقب يوماً تتطهر فيه المدينة من دنس الحاكم الظالم.
التصنيف الصحفي: هذا النص مقال رأي/مقال سياسي ساخر، وليس خبراً أو تقريراً صحفياً، لأنه يعتمد على السخرية والتحليل وإبداء المواقف والأحكام، ويستخدم لغة أدبية وتقييمية أكثر من اعتماده على عرض الوقائع والمعلومات الموثقة.