بلا رواتب، بلا كهرباء، بلا ماء، وبلا أضاحٍ كاملة .. عيد الأضحى في ذمار.. فرحة مسروقة وكبش العيد شبح يطارد الجيوب
من قلب "كرسي الزيدية" وعاصمة النكتة السياسية اللاذعة، ذمار التي لطالما داوت جراحها بالضحكة، يستقبل المواطنون عيد الأضحى المبارك هذا العام. لكنها ضحكة كالبكاء، خرجت من بين أشداق المعاناة تحت وطأة حكم "المسيرة" التي لم تترك للمواطن الذماري من مسيرته إلا السير حافيًا، حاسرًا، يبحث عن رغيف العيش.
هنا في ذمار، تحوّل العيد من مناسبة دينية جليلة إلى "غُرم" ثقيل وكابوس يؤرق مضاجع الآباء. يدخل العيد على الذماريين والجيوب "تُصفّر" كريحٍ صرصر، بينما المشرف الحوثي يمر بطقمه الجديد موديل السنة، ممتلئ الكرش، يوزّع الابتسامات الصفراء والوعود الجوفاء بنصرٍ قاب قوسين أو أدنى، نصرٍ لم يلمس منه المواطن سوى جرعة جديدة في أسعار المشتقات النفطية!
"جعالة العيد".. قفزة تضاهي قفزات "المسيرة"
إذا دخلت سوق ذمار القديم، أو تجولت في "حارة الجمارك" و"المحل"، ستجد وجوه الناس قد رُسمت عليها خارطة البؤس الأدبي. تشتري "الجعالة" (حلويات العيد)؟ يقول لك البائع بسخرية ذمارية بحتة:
"يا خبير، الزبيب البلدي رجع ينافس اليورانيوم المخصب، واللوز كأنه قادم من كوكب المريخ! إذا معك زلط (فلوس) اشترِ، وإذا ما معكش، اقطب لك من الباب وتفرّج للمشرفين وهم يشتلوا بالكواني".
المواطن الذماري الذي كان يملأ بيته بشتى أنواع المكسرات، بات اليوم يشتري "الخفايف" بالجرام، ويمزجها بالنكتة:
"والله يا عيال، إن عاد احنا بنبصر اللوز في الشاشات والمنشورات أكثر مما نبصره في الصحن!".
كبش العيد.. "شبح" يطارد الجيوب
أما الأضاحي، فذلك موالٌ آخر يستحق أن تُكتب فيه معلقة أدبية باكية ساخرة. فقد تحوّل سوق الغنم في ذمار إلى "بورصة" لا يقدر على دخولها إلا من حظي ببركات "الخُمس" أو كان من سلالة "المقادشة" أو "المشرفين" الأبرار.
يقول الحاج عبده، وهو موظف متقاعد بلا راتب منذ سنوات، وهو ينظر إلى كبشٍ هزيل صغر حجمه حتى شابه القط:
"يا ولدي، هذا مش كبش، هذا تيس تخرّج من دورة ثقافية! سعره مئتا ألف ريال! أين أسير؟ أبيع كليتي عشان أشتري ضحية، والمشرف يقول لنا: ضحوا بالصبر والثبات في وجه العدوان! طيب والصبر هذا بيفلت مرقة للجهال؟!".
لقد أصبحت الأضحية في ذمار حلمًا بعيد المنال، وصار المواطن يكتفي بشراء "كيلو لحم" من الجزار ـ إن استطاع إليه سبيلًا ـ ويعود إلى بيته خافض الجناح، مقسمًا اللحم بميزان الذهب لكي يكفي العيال طيلة أيام العيد.
"البرع" تحت ظلال البنادق
حتى الفرحة التي يحاول الذماريون انتزاعها انتزاعًا عبر رقصة "البرع" الشهيرة في ساحات المدينة، لم تسلم من أدلجة المليشيا. فبينما كانت الطاسة تلهب الحماس قديمًا بزوامل القبائل العفوية وأهازيج الفرح، صارت اليوم تُجبر على عزف ألحان "المسيرة" الكئيبة.
يتحلق الناس في "الدائري" أو أمام المساجد، ليروا الأطفال يرتدون ثياب العيد ـ التي اشترتها الأمهات بدموع العين ومصوغات الفضة المباعة ـ وهم يحاولون الابتسام، لكن طقمًا حوثيًا يمر فجأة مسرعًا، مطلقًا زامله الصاخب ليعكر صفو السكينة، وكأن لسان حال المليشيا يقول: "ممنوع الفرح خارج إطار المجهود الحربي".
أزمة مياه.. والعيد "جاف"
وفيما يحتاج العيد إلى النظافة والغسيل، تعيش ذمار أزمة مياه خانقة فرضتها مؤسسات المليشيا الفاشلة. فالماء يزور البيوت كأنه "هلال العيد" نفسه، مرة في الشهر!
ويتندر الأدباء في مجالس ذمار قائلين:"الحمد لله الذي جعل النظافة من الإيمان، وجعل مليشيا الحوثي مسيطرة على شركة المياه، لكي نعيش زهد الصحابة ونموت بغبار الجبهات دون أن نغتسل!".
وبينما تذهب وايتات (ناقلات) المياه المجانية لدعم منازل "القناديل" والمشرفين القادمين من كهوف صعدة، يظل أبناء ذمار يلاحقون بوزة الماء في الحارات وكأنهم يطاردون غزالًا بريًا في الصحراء.
الضحكة هي السلاح الأخير
رغم كل هذا السواد، ورغم العيد الذي جاء بلا رواتب، وبلا كهرباء، وبلا ماء، وبلا أضاحٍ كاملة، يظل المواطن الذماري يقاوم بطريقته الفريدة: بالسخرية الأدبية اللاذعة.
يتبادلون التهاني بعيون تملؤها الدموع ونفوس يملؤها التهكم، قائلين: "عيدكم مبارك، وأنتم سالمون من المشرفين، وآمنون من الواجبات، ومحفوظون من الخُمس!".
إنها ذمار، المدينة التي ترفض أن تموت كآبة، وتحوّل سياط الجلاد الحوثي إلى نكتة تقصم ظهره، منتظرة ذلك اليوم الذي ينجلي فيه غبار هذه "المسيرة" الكابوسية، ليعود للعيد في ذمار طعمه الحقيقي: طعم الحرية، والخبز، والكرامة.