الطيران بلا وقود والبيوت بلا كهرباء والقيادات بلا احساس
في الوقت الذي تخوض فيه دول العالم صراعات فكرية حول الذكاء الاصطناعي، واستيطان المريخ، والطاقة النظيفة، تخوض مدينة عدن تجربة علمية فريدة من نوعها، تثبت للعالم يومًا بعد آخر أن "المستحيل" ليس سوى وجهة نظر.
فبعد أن نجحت العبقرية الإدارية الفذة في ترويض "التيار الكهربائي" وتحويله إلى زائر غامض يأتي لدقائق مشحونة بالدموع ليغيب أيامًا حسرةً ونكدًا، أبى عباقرة الأزمات أن يتركونا نعيش في رتابة الاستقرار. هكذا، ومن باب التجديد والترفيه عن المواطن المطحون، أعلنوا عن انضمام "وقود الطيران" إلى قائمة المفقودات الوطنية.
المعادلة السحرية
إذا طفئت الكهرباء.. فلا داعي للطيران!
يبدو أن هناك فلسفة عميقة جداً وراء هذه الأزمة الجديدة، فلسفة لا يفهمها إلا الراسخون في علم "النكاية الإدارية". المنطق يقول: ما دامت البيوت مظلمة، والمراوح مشلولة، والمواطن يتصبب عرقاً على الأرض، فمن قلة الذوق والعدالة الاجتماعية أن يطير كائن ما في الأجواء مستمتعاً بالتكييف!
لقد تحول مطار عدن الدولي، بفضل هذه السياسات الحكيمة، إلى ما يشبه "حوش للسيارات القديمة"، حيث تقف الطائرات عاجزة، ليس بسبب عطل فني، بل لأن "الدبة الديزل" الخاصة بالطائرة لم تصل بعد من السوق السوداء، أو لأن حصة المطار من الوقود تم تحويلها بالخطأ لإنارة حفل خاص بإحدى القيادات الملهمة.
ضحكت من جهلها الأمم.. وبكت من عبقريتها الخطوط الجوية!
المثير للسخرية الأدبية، والضحك البكائي، هو الطريقة التي تُدار بها هذه المأساة. فالعالم من حولنا يرى المطارات كبوابات للمستقبل، بينما نحن نراها كمحطات "باصات" بانتظار الفرج.
المسافرون في قاعة الانتظار:
يتحول المسافر اليمني إلى خبير استراتيجي في علم النفط والمعادن. تجده يحلل لزوجته أسباب تأخر الطائرة: "يبدو أن فخامته نسى مفتاح الخزان" أو "الظاهر أن طائرتنا بانتظار طائرة أخرى لتمنحها (اشتراك) بطارية".
القيادات الموقرة: في المقابل، يجلس المسؤولون في غرفهم المكيفة (بالطبع، مولداتهم لا تنطفئ) يصدرون بيانات الشجب والتحذير من "مؤامرات تستهدف قطاع الطيران"، وكأن وقود الطائرات تبخر بفعل السحر، وليس بسبب الصراعات الصبيانية على الحصص والجبايات والعمولات.
فوق السحاب (بدون بنزين)
إنها أضحوكة الأزمات المتلاحقة، حيث تحولنا من شعب يطالب بالرفاهية، إلى شعب يرجو فقط ألا تنفجر الطائرة على المدرج لأن أحداً ما قرر استخدام "ولاعة" للبحث عن غطاء الخزان.
سلامٌ على وطنٍ ضحكت من جهل مسؤولي أزماته الأمم، وسلامٌ على مواطنٍ لم يعد يملك سوى الضحك الساخر، لأن البكاء لم يعد يتسع لكل هذا السخف! فالطيران بلا وقود والبيوت بلا كهرباء والقيادات بلا احساس،، الى متى ؟؟