جغرافيا الوجع وفلسفة العقاب بالخدمات
لم يعد شتاء المحافظات المحررة ولا صيفها القاسي مجرد فصول في تقويم الطبيعة؛ بل تحولا، بفعل فاعل، إلى مؤشرين سياسيين دقيقين لقراءة منسوب الرضا أو الغضب في أروقة الحكومة الشرعية. حين تنطفئ الكهرباء في عدن، وتجف مآخذ المياه في شبوة، وتتأخر رواتب الموظفين في حضرموت وأبين، لا ينبغي لنا أن نبحث عن الأعطال الفنية في شبكات التوليد أو خطوط الإمداد، بل علينا أن نبحث عنها في دهاليز القرار السياسي والحسابات الضيقة المتخمة بـ "النكاية الإدارية".
المشهد السائد في هذه المحافظات—من المهرة شرعاً إلى سقطرى والضالع ولحج—يكشف عن معضلة بنيوية تتجاوز مفاهيم شح الموارد أو تداعيات الحرب المستمرة. إننا أمام عجز إداري يجري توظيفه، بوعي أو بدون وعي، كأداة عقاب جماعي. المفارقة المخزية هنا هي أن بعض هذه المناطق، وتحديداً حضرموت وشبوة، تغفو وتصحو على بحيرات من الثروة النفطية والموارد السيادية، ومع ذلك يقف مواطنها في طوابير طويلة بحثاً عن لتر وقود أو ساعات طاقة تقيه زمهرير الحر أو شبح الظلام.
أين تكمن العقدة إذن؟
تكمن باختصار في عقلية "إدارة الأزمات بالريموت كنترول". تعيش الحكومة الشرعية في جزر معزولة عن واقع الأرض، وتصر على مركزية القرار المالي والخدمي، مع تجفيف حصص المحافظات المنتجة من عائداتها. النتيجة الحتمية لهذه السياسة هي تحول الخدمات العامة من حقوق آدمية مكفولة إلى أوراق ابتزاز سياسي، يُقايض بها المواطن في معارك النفوذ وتصفية الحسابات بين مراكز القوى.
العاصمة المؤقتة عدن دفع ت الثمن الأكبر لهذه المعادلة الصفرية. تحولت المدينة التي كان يُفترض بها أن تكون واجهة لـ "الدولة النموذج" إلى بؤرة لتصدير الأزمات الخدمية جراء غياب الرؤية الحكومية المستدامة والاعتماد على الحلول الترقيعية وسياسة "إطفاء الحرائق" المؤقتة. ولأن عدن هي القلب الإداري والاقتصادي، فإن أي اهتزاز خدمي فيها يرتد فوراً كزلزال معيشي على جاراتها في لحج وأبين والضالع، مما يوسع رقعة المعاناة.
هذا الشلل الخدمي الممنهج لم يكتفِ بإنهاك المواطن يومياً، بل ضرب الاقتصاد المحلي في مقتل. فالأسواق تعيش حالة ركود، والقطاع الخاص يلفظ أنفاسه تحت وطأة تكاليف التشغيل الذاتي الباهظة، والعملة المحلية تتآكل، في وقت بات فيه "المرتب البسيط" حُلماً مؤجلاً يخضع لمزاجية التمويل والإنفاق الحكومي.
حين يخرج الناس إلى الشوارع في تظاهرات غاضبة، فإنهم لا يتظاهرون ضد "التوربينات المتهالكة" أو "شح الأمطار"، بل يتظاهرون ضد منظومة حكم فشلت في إثبات شرعيتها الخدمية على الأرض. لقد سقطت الوعود التخديرية للحكومة، ولم يعد الشارع يشتري الوهم.
الخلاصة التي يجب أن تعيها الحكومة الشرعية قبل فوات الأوان، هي أن استقرار الخدمات ليس ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله حتى تسوية الصراعات السياسية، بل هو لّب الشرعية وجوهرها. الاستمرار في جعل حياة ملايين البشر رهينة لسياسة الابتزاز والتهميش وإدارة الظهر للمحافظات المحررة، لن يقود إلا إلى انفجار اجتماعي شامل؛ فالجياع والذين يعيشون في الظلام لا يملكون ترف الانتظار، وكتاب وضع الخدمات في هذه المناطق بات واضحاً من عنوانه.. وعنوانه هو "أزمة حكم" لا أزمة إمكانات.