حقيقة الصراع في تعز بعيون من تجرعوا مرارته ديمقراطية العبث: تعز ما بين "عتمة مليشيا الحوثي" و"سماسرة الشرعية"
في تعز، لا تعتري المدينة الدهشة من هول الخسارات، بل من فرط التناقض الذي يحيط بجسدها المنهك؛ فهي المدينة التي تحاصرها الجغرافيا، ويخنقها "المناضلون" ببدلاتهم الأنيقة وأرصدتهم المتضخمة. خلف أبواب "فندق الأزمات" المغلقة، يتقاسم الفرقاء رغيف المعاناة، لا ليأكلوه، بل ليحولوه إلى صفقات في سوق النخاسة السياسية.
هنا، تُباع الوطنية بأسعار الجملة، ويُشترى الصمت بعمولات تُدفع في غرف مظلمة، بينما يغرق الشارع في عراء لا ينتهي، تتقاذفه وعود بالخلاص لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
تعز ليست مجرد مدينة على خارطة الحروب، بل هي قصة احتراف في إهانة التاريخ، حيث يتبادل الطرفان الشتائم أمام الكاميرات ليزيدوا "الرصيد النضالي" في بورصة العواطف، وفي الخفاء يوقعون اتفاقات لتقاسم "الجبايات" ببرود يثير الغثيان. إنها ملهاة سوداء، حيث يقتات الجلاد والمناضل المزيف، على حد سواء، من عتمة الناس وجوعهم، محولين المدينة التي كانت "منارة للعلم" إلى "منجم للذهب" لا يراه إلا تجار الأزمات.
أصوات من رحم المعاناة:
تعز أشبه بسوق عكاظ للصوص
"أبو حمزة" (تاجر متضرر) قال:
"لقد أصبحت تعز أشبه بسوق عكاظ للصوص، لا فرق عندي بين من يغلق الطريق ويفرض الجبايات باسم "الدين"، وبين من يفتح الطريق ليجعلها مزاداً للعمولات باسم "الشرعية". نحن محاصرون في الداخل والخارج، والكهرباء والماء والخدمات ليست إلا أوراقاً في لعبة قمار قذرة يمارسها هؤلاء القادة الذين لا يهمهم إن أكلنا العشب أو متنا عطشاً. أرى أحدهم في الصباح يخطب فينا عن التضحية وهو يلبس أغلى الساعات، وفي المساء يتصل بخصمه ليتفقا على رفع أسعار الوقود ليتقاسما الفارق. هؤلاء لا يعنيهم أننا نعيش في العصور الوسطى، بل يريدوننا كذلك، لأن المدينة إذا نهضت بوعيها ستجرفهم كما تجرف السيول الأوساخ العالقة، لذا يبقوننا في هذه الغيبوبة الجماعية، يذبحوننا بسكاكين الصمود الزائف، ويضحكون على دموعنا."
التاريخ سيذكرهم، لكن كأقذر من تاجر بآلام أمهات ثكالى
"سعاد" (أم فقدت معيلها) تقول:
"تعبت من انتظار وعود لا تتحقق، ومن خطابات تنتهي قبل أن يجف حبرها. لقد سرقوا منا حتى الحق في الحلم بمدينة طبيعية. في كل صباح، أخرج إلى السوق وأرى وجوه هؤلاء "المتاجرين" تتلألأ في سياراتهم الفارهة، بينما أبحث أنا عن كسرة خبز لأطفالي في مدينة غنية بالمعاناة وفقيرة بالعدل. كلاهما، الحوثي والشرعية، يمارسان هوايتهما المفضلة في تعذيبنا؛ يتبادلان الأدوار، فهذا يقطع الهواء، وذاك يقطع الضوء، وكلاهما يتقاسمان أرباح هذه المحرقة التي يسمونها "حرباً". لا أريد منهم تحريراً، ولا أريد منهم صموداً، أريد منهم فقط أن يرحلوا عنا، أن يخرجوا من حياتنا التي أحالوها إلى جحيم. فالتاريخ سيذكرهم ليس كأبطال، بل كأقذر من تاجر بآلام أمهات ثكالى."
تعز مدينة بلا مستقبل
"عزيز" (طالب جامعي) قال:
"نحن جيل ولد في الحرب، وترعرع على أصوات المدافع، والآن يريدوننا أن نعيش في "فندق أزماتهم" كخادمين مطيعين. في الجامعة ندرس نظريات التنمية والحرية، بينما نخرج إلى الشارع لنجد أنفسنا في واقع يسيطر عليه تجار الحروب الذين لا يتقنون سوى فن "السمسرة" بآلامنا.
إنهم يتحدثون عن "تحرير العقول"، وهم من يغلقون أمامنا أبواب الفرص ويحصرون حياتنا في تأمين لقمة العيش. كلما حاولت أن أبدأ مشروعاً صغيراً واجهتني جبايات لا تنتهي، وتصاريح تتطلب دفع "عمولات" لمن هم في الفندق. إنهم يحاولون تحطيم طموحنا، لأن الشباب الطموح هو العدو الأول لمن يقتاتون على الفوضى. تعز كانت تسمى "مدينة الثقافة"، والآن يحاولون تحويلها إلى مدينة بلا مستقبل."
كلاهما كاذب
"حاج محمد" (متقاعد) قال:
"عاصرت في هذه المدينة كل أطوارها، لكنني لم أرَ أبشع من هذا العصر، حيث يتاجر الجميع بدمنا وشقائنا. أنا متقاعد أحاول العيش بكرامة، لكن معاشي لا يكفي ليومين، بينما أرى المسؤولين من كلا الطرفين يتبادلون الأدوار في إفقارنا. مليشيا الحوثي تحاصرنا وتسميه "جهاداً"، والشرعية تنهب ما تبقى من قوتنا وتسميه "نضالاً". كلاهما كاذب، وكلاهما يتقاسمان أرباح هذه الأزمة في غرفهم المكيفة، بينما نحن في الخارج نموت ببطء. تعز اليوم مثل السفينة التي يثقبها القراصنة من الجهتين، وكلما غرقنا أكثر تعالت أصواتهم بالدعوة إلى "الصبر"، وهم لا يصبرون على انقطاع الكهرباء لدقيقة واحدة. لقد جربناهم وعرفناهم، ولم يعد لديهم ما يقدمونه سوى مزيد من العذاب."
كلاهما يكره الحقيقة لأنها تفضح تجارته القذرة
"ليلى" (ناشطة حقوقية) تقول:
"المأساة في تعز ليست في غياب الخدمات فقط، بل في "تطبيع المعاناة" الذي يمارسه هؤلاء التجار. لقد جعلوا من ألمنا مهنة مربحة؛ حيث تخرج المنظمات والجهات الرسمية ببيانات جوفاء عن "معاناة تعز" لجلب التمويلات، ثم تُصرف هذه الأموال في مشاريع وهمية أو تذهب إلى جيوبهم. هناك تنسيق خفي بين الطرفين؛ يعلمون متى يرفعون التوتر ليخدم مصالحهم، ومتى يهدئونه ليتقاسموا المغانم. كلما رفعت صوتي للمطالبة بحق مسلوب، أجد تهديداً من هذا الطرف أو ذاك؛ فكلاهما يكره الحقيقة لأنها تفضح تجارته القذرة. نحن لا نعيش في حرب فقط، بل نعيش في "شرك" نصبه لنا تجار الأزمات، والهدف ليس الحسم، بل إطالة أمد المأساة لأطول فترة ممكنة."
تعز اليوم فقدت روحها الجميلة، وتحولت إلى "منجم" للصوص
"سالم" (سائق حافلة) قال:
"طريقي اليومي مليء بالنقاط التي تقتات على جيوبنا؛ كل نقطة لها "أميرها" ولها "جباياتها"، والجميع يدعي أنه يحمي "الشرعية" أو "الدين". لا أحد يسأل عن المواطن، بل الجميع يسأل عن "العمولة". في الفندق يتبادلون الشتائم والبيانات، وفي الطريق يتقاسمون ريالاتنا التي نكدح من أجلها. صرت أشعر أنني أعمل لدى الطرفين دون أن أعلم؛ فأنا أعمل لأدفع لهم، وهم يعملون ليأخذوا مني. تعز اليوم فقدت روحها الجميلة، وتحولت إلى "منجم" للصوص يرتدون ثوب السياسة. لقد سئمنا هذه اللعبة، وسئمنا هذه الوجوه التي تظهر في التلفاز لتحدثنا عن الصمود، وهي لا تعرف طعم الجوع. نتمنى فقط أن يرحلوا، وأن يتركوا المدينة لأهلها الذين يعرفون كيف يحبونها."
ختاماً: مزبلة التاريخ تنتظر..
حان الوقت ليسمع "تجار الأزمات" صوت المدينة الذي يتجاوز صخب بياناتهم الجوفاء. فتعز ليست جثة للتشريح، ولا بضاعة للمساومة، بل هي روح تتوق إلى الانعتاق من قيودكم البالية. إن عهودكم بالخلاص سقطت منذ أمد بعيد، وأقنعة الزيف التي ترتدونها لم تعد تخفي سوءات طمعكم الذي أكل الأخضر واليابس.
لا تظنوا أن صمت الناس ضعف، فالعاصفة دائماً تبدأ من هدوء يسبق الجرف، ويوماً ما ستجدون أنفسكم خارج صفحات التاريخ الذي حاولتم تزويره بدماء الأبرياء. ارحلوا، فالمزبلة هناك، في قاع النسيان، تتسع لكل من تاجر بلقمة الجائع ودمعة المكلوم. وتلك ليست نهاية، بل هي البداية الحقيقية لتعز التي نحلم بها. إن غداً قريب، حيث لا مكان لكم بيننا، ولا عهد لكم علينا، فاستعدوا لرحيل لا إياب بعده، ودعوا المدينة تستنشق هواءً خالياً من رائحة فسادكم وعفن طموحاتكم التي لم تنتج إلا الخراب.