موجات الحر: تكلفة اقتصادية بمليارات الدولارات تهدد النمو العالمي
تتجاوز التحذيرات الصحية لموجات الحر الحالية مجرد المخاوف الفورية، حيث يراقب الاقتصاديون والأسواق عن كثب تداعياتها الاقتصادية الهيكلية، والتي تشمل ارتفاع الطلب على الكهرباء، وانخفاض إنتاجية العمال، وضغوطاً متزايدة على الشركات وسلاسل الإمداد، وذلك في وقت تسعى فيه الاقتصادات الكبرى لاحتواء التضخم واستعادة زخم النمو.
لم تعد موجات الحر تُعامل كظاهرة موسمية، بل أصبحت تُصنف لدى المؤسسات الاقتصادية العالمية كمخاطرة اقتصادية هيكلية تؤثر على الإنتاج والاستثمار والمالية العامة والسياسة النقدية. وتُعد أوروبا، بحسب تقرير لمجموعة أليانز، من أكثر المناطق عرضة لهذه المخاطر نظراً لشيخوخة السكان، وارتفاع الكثافة العمرانية، وضعف انتشار أنظمة التبريد مقارنة بالولايات المتحدة.
يُشير خبراء الاقتصاد إلى أن التأثير الأكثر تكلفة لا يكمن في ارتفاع فواتير الكهرباء، بل في انخفاض إنتاجية العمل. فدرجات الحرارة التي تتجاوز منتصف الثلاثينيات المئوية تؤدي إلى خسائر كبيرة في الإنتاجية وتعطيل العمل في قطاعات حيوية تشكل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي. وتقدر بعض الدراسات أن موجة حر قصيرة قد تخفض نمو إنتاجية العمل الفصلية بنسب ملحوظة، مما يقوض النمو الاقتصادي ما لم يتم تحديث البنية التحتية وبيئات العمل.
يعتبر تقرير "أليانز" أن 30 درجة مئوية تمثل "نقطة تحول" للاقتصاد، حيث تتسارع الخسائر الاقتصادية مع كل درجة حرارة إضافية. فبعد هذا المستوى، تنخفض إنتاجية العمال، وترتفع تكاليف الطاقة، مما يضغط على أرباح الشركات ويزيد احتمالات انتقال هذه التكاليف إلى المستهلكين.
تنعكس موجات الحر سريعاً على أسواق الطاقة، حيث يؤدي الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف إلى قفزات في الطلب على الكهرباء والغاز الطبيعي، مما يفرض ضغوطًا على شبكات الكهرباء ويرفع تكاليف التشغيل. وقد اضطرت بعض الدول لاتخاذ إجراءات طارئة لضمان استقرار إمدادات الطاقة، بينما شهدت أسواق أخرى ارتفاعاً في أسعار الكهرباء وقيوداً على تشغيل محطات الطاقة.
لا تتوقف التداعيات عند حدود الطاقة، بل تمتد لتشمل ارتفاع تكلفة الإنتاج في مختلف القطاعات، مما قد يدفع بعض الاقتصادات نحو الركود التضخمي، وهو سيناريو معقد أمام البنوك المركزية. كما يحذر التقرير من أن تراجع العائد المتوقع على الاستثمار قد يؤدي إلى خفض الإنفاق الرأسمالي، مما يضعف القدرة الإنتاجية على المدى الطويل.
تشير تقديرات إلى أن التكرار المحتمل لموجات الحر الشديدة قد يكلف الاقتصادات الأوروبية خسائر تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي تتراوح بين 5% و7%، مع تقديرات بخسائر تقدر بمليارات الدولارات في دول مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا. ويؤكد التقرير أن هذه التقديرات تمثل سيناريو ضغط اقتصادي لقياس حجم المخاطر المحتملة.
ترى الخبيرة كاتارينا أوترمول أن موجة الحر لم تعد استثناءً بل اتجاهًا دائمًا، وأن الوقت قد حان للتعامل معها كتحدٍ اقتصادي مستمر يتطلب سياسات تكيفية. ويتطلب الحفاظ على النمو الاقتصادي والاستقرار المالي في السنوات المقبلة استثمارات في تحديث البنية التحتية وبيئات العمل، وتعزيز قدرة شبكات الكهرباء، والتكيف مع الحرارة كشرط أساسي للاستدامة الاقتصادية.