دمشق تستقبل "الأباطرة".. وعدن لا تزال تبحث عن "مفتاح القصر"!
بينما تقف العواصم العالمية في طوابير "البروتوكول" لمصافحة دمشق، وتتسابق الوفود الدولية لترميم ما أفسدته الحروب في الشام، تبدو عدن – "ثغر اليمن الباسم" – وكأنها تبنت استراتيجية "الغموض الاستراتيجي"، التي لم يعد يفهمها حتى أصحاب الشأن أنفسهم.
دمشق .. "عادت ريمة لعادتها القديمة"
في مشهد يثير دهشة المراقبين، تحولت دمشق من مدينة "الزيارات المتقطعة" إلى منصة لاستقبال زعماء دول عظمى. السجاد الأحمر يُفرش، والمواكب الرئاسية تجوب الشوارع، والبيانات الختامية تُكتب بمداد "الشرعية الدولية الجديدة". ويبدو أن الرياح السياسية قررت فجأة تغيير اتجاهها، تاركة خصوم الأمس في حيرة من أمرهم: هل يعتذرون؟ أم يواصلون كتابة افتتاحيات الهجوم؟
عدن .. "هل الموعد لا يزال قائماً؟"
على الجانب الآخر من الخارطة، في عدن "المحررة" (نظرياً)، يمارس المشهد السياسي اليمني رياضة "تجاذب الكراسي". العاصمة التي قيل إنها ستكون قبلة القرار اليمني ومقر الرئيس، تبدو وكأنها تعاني من "فوبيا الاستقرار". فالقاعدة الشعبية تقول إنها محررة، والحكومة تقول إنها مقيدة، بينما يقول الواقع إنها تعيش حالة "انتظار دائم".
أما الرئيس، الذي يمثل قمة هرم الشرعية، فيشبه تماماً ذلك الموظف الذي يمتلك مفتاح المكتب، لكنه يكتشف يومياً أن "قفل الباب" قد تغيّر، أو أن الطريق إلى المكتب أصبح مغلقاً بـ"تنسيقات" أمنية لا يعرفها إلا أصحاب القرار في الغرف المظلمة.
لماذا يحدث هذا؟
يمكن تلخيص المشهد اليمني في ثلاث نقاط جوهرية:
تعدد "الطباخين":
في اليمن، يطبخ كل طرف "أكلة سياسية" مختلفة، والنتيجة "شوربة" لا يستطيع أحد أن يتجرعها، بينما قررت دمشق – على الأقل في ظاهر المشهد – أن يكون الطباخ واحداً.
عقدة "الأنا" و"البندقية":
في عدن، يبدو أن الرصاصة لا تزال تعلو صوت العقل. فعندما تمتلك كل جهة "شرعيتها الخاصة"، يصبح وجود رئيس في القصر مجرد "ديكور" لصور "السيلفي" السياسية، لا أكثر.
استراتيجية "الهروب إلى الأمام"
بدلاً من أن تكون عدن عاصمة القرار، أصبحت العاصمة هي "المطار"، أو "صالة الانتظار" في إحدى العواصم الإقليمية، حيث تُتخذ القرارات التي لا يملك أصحابها في عدن سوى الموافقة عليها بإيماءات الرأس.
الشعب بين "ابتزاز المليشيات" و"عجز القيادة"
أما الشعب، فقد سئم هذه "الكوميديا السوداء". فكلما لاحت في الأفق بوادر عودة الرئاسة وأعضائها الثمانية لممارسة مهامهم من قلب عدن، تنبري طوابير من "المأجورين" و"أباطرة الفوضى" للتلويح بلغة التهديد والوعيد، مهددين بإغلاق مطار العاصمة في وجه من يمثل الدولة.
هؤلاء "الأقزام"، الذين خسروا مصالحهم الشخصية، لا يكتفون بعرقلة العمل، بل يمارسون أبشع صور التناقض؛ يطردون الدولة بيمينهم، ويطالبونها بالرواتب والخدمات بيسارهم، وكأن الدولة بنكٌ للمال لا كيانٌ للسيادة.
وهنا، لا يمكن إعفاء القيادة الرئاسية من هذا العار؛ فالمسؤولية ليست مجرد كرسي أو لقب، بل إرادة تصون الهيبة، أو شجاعة تترجل عند العجز. إن البقاء في صمت مريب وسط هذه العبثية هو اعتراف ضمني بالهزيمة، وإهانة لكل مواطن ينتظر دولة تحميه.
إما أن تفرضوا هيبة الدولة وتنتزعوا صلاحياتكم من مخالب الفوضى، أو أن تترجلوا عن كراسيكم؛ فالتاريخ لا يرحم من رضي بأن يكون "رئيساً مع وقف التنفيذ"، والمواطن لم يعد يحتمل ذل "الدولة المشلولة" التي تخشى حراس بواباتها.
ختاماً:
إن كانت العواصم تُقاس بهيبة قرارها لا بحجم رقعتها الجغرافية، فإن عدن اليوم ليست سوى "فندق سياسي" يهرب منه ساكنه قبل أن يكتمل ليله.
لقد شبعنا من وعود "العودة المظفرة" التي تنتهي عند صالة كبار الزوار، ومللنا مسرحية "الدولة الغائبة" التي تُدار بالريموت كنترول من فنادق العواصم المجاورة.
يا سادة، إن الهيبة لا تُستجدى من المتمردين، والسيادة لا تُحفظ بالتغريدات والبيانات الخجولة. إما أن تكون عدن عاصمةً تدير البلاد بقراراتها الجريئة، أو فأغلقوا أبواب هذا القصر نهائياً؛ فالتاريخ لم يحفظ يوماً ذكرى حاكم خشي الدخول إلى عاصمته، ولن يغفر لشعب يرى كرامته تُستباح بين نزوات "المخربين" وعجز "الرئاسة".
ارفعوا الحصانة عن أنفسكم قبل أن يرفعها الشعب، فالمقعد الذي لا يمنحك السلطة في عاصمتك ليس كرسياً للحكم، بل قيدٌ من العار.