المرآة التي لا تكذب

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

قد لا تعجبنا الصورة التي نراها فيها، وقد نحاول تغيير زاوية الوقوف، أو تعديل الإضاءة، أو حتى استبدال المرآة نفسها، لكن الوجوه تبقى كما هي؛ فالمرآة لا تصنع الحقيقة، بل تكشفها.

واليمن اليوم يقف أمام مرآة كبيرة؛ كل طرف ينظر إليها، لكنه لا يرى نفسه، بل يرى أخطاء الآخرين. وكل جماعة تعتقد أن التشققات التي تظهر في الزجاج سببها خصومها، بينما الحقيقة أن الشرخ يبدأ دائمًا من اليد التي تضرب المرآة، لا من المرآة نفسها.
لقد كانت سنوات الحرب مرآة قاسية كشفت ما كانت الشعارات تخفيه، وأظهرت الفرق بين من أراد بناء دولة، ومن أراد بناء نفوذ، وبين من تحدث باسم الشعب، ومن تحدث باسم نفسه.
فالمرآة لا تنحاز، نعم لا تنحاز.
إنها تعرض الجندي كما هو، والسياسي كما هو، والقبيلة كما هي، والمواطن كما هو. تكشف من حمل المسؤولية، ومن هرب منها، ومن جعل الوطن وسيلة، ومن جعله غاية.
ولسنوات طويلة، انشغل كثيرون بتغطية المرآة بدلًا من إصلاح الصورة. ظنوا أن إسكات الأصوات، أو تزيين الخطابات، أو تبديل الشعارات، سيغير ما يراه الناس، لكن الحقيقة لا تختفي إذا أُغلقت الستائر، كما أن الغبار لا يختفي إذا كسرنا المرآة.
ولهذا فإن الأوطان لا تتعافى عندما تبحث عن مرآة أجمل، لكنها تتعافى عندما تمتلك شجاعة النظر إلى نفسها دون خوف.
فلا مشروع ينجح إذا عجز عن رؤية أخطائه، ولا قيادة تستحق البقاء إذا اعتبرت النقد عدوًا، ولا شعب يتقدم إذا اكتفى بإلقاء اللوم على غيره.
واليمن لا يحتاج إلى مرآة جديدة، بل يحتاج إلى وجوه تؤمن بأن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة؛ بل هو أول خطوة نحو الإصلاح. فالأمم التي تواجه نفسها بصدق تستطيع أن تغير مستقبلها، أما الأمم التي تكسر كل مرآة تكشف عيوبها، فإنها تبقى تدور في المكان نفسه.