مطرح الريان .. حين تُشعل القبائل جذوة التحرير.. وتظل الشرعية حبيسة الضبابية

مطرح الريان .. حين تُشعل القبائل جذوة التحرير.. وتظل الشرعية حبيسة الضبابية
مشاركة الخبر:

في قلب الصحراء التي لا تهدأ، حيث تختلط رمال الجوف بذكريات العزة، تحوّل "مطرح الريان" خلال الأيام القليلة الماضية إلى بوصلة سياسية وميدانية ترتقبها الأنظار. لم يعد المطرح مجرد ساحة لتجمع القبائل، بل غدا رمزًا لحالة من "الرفض الصامت" التي تصاعدت لتصبح صرخة مدوية في وجه ممارسات المليشيا، معلنة أن الأعراف القبلية التي سادت لقرون لا تزال تمثل خط الدفاع الأخير عن كرامة الإنسان.

نكفٌ لا يلين
لم يكن "نكف الكرامة" الذي أعلنه الشيخ حمد بن فدغم الحزمي مجرد رد فعل عابر على اعتقال تعسفي، بل كان تجسيدًا لحالة احتقان تراكمت تحت وطأة الممارسات التي طالت النسيج الاجتماعي في الجوف.
واليوم يقف "مطرح الريان" شامخًا، يضم تحت خيامه وفودًا قبلية توافدت من كل حدب وصوب، في مشهد يعيد إلى الأذهان قدرة القبيلة اليمنية على التوحد حين تُمس الثوابت. وقد جاء اختيار الشيخ فرج بن حجرة المرزوقي قائدًا عامًا للمطارح خطوة تنظيمية بارزة، تعكس نضجًا في إدارة الأزمة، وتؤكد أن الحراك يسير وفق رؤية لا تترك مجالًا للعشوائية.

جبهة المواجهة.. صمت يسبق العاصفة
وفي الضفة الأخرى، تعيش مليشيا الحوثي حالة من الاضطراب الأمني، محاولة تطويق "الريان" بسياج من العزلة، بدءًا بقطع الاتصالات، ووصولًا إلى حشد التعزيزات العسكرية التي تسعى إلى خنق الحراك قبل أن يمتد إلى أطراف المحافظة.
ومع ذلك، يدرك المراقبون أن خيارات الحوثيين ضيقة؛ فالمواجهة المباشرة مع القبائل في عقر دارها مغامرة قد تفتح أبواب الجحيم على مناطق سيطرتهم، بينما يعني التراجع أمام مطالب "الريان" تقويضًا لهيبتهم التي حاولوا فرضها بالقوة.

لغز الشرعية.. حضور غائب
بينما تشتعل الميادين، يظل سؤال الشارع في الجوف معلقًا بمرارة: أين السلطة الشرعية؟
تبدو المواقف الرسمية، حتى اللحظة، أقرب إلى "المراقبة الصامتة"، وهو مشهد يثير تساؤلات مشروعة حول جدوى الرهان على القوى الرسمية في لحظات الفصل التاريخي. هل تنتظر الشرعية أن ينجلي غبار المعركة لتتخذ موقفًا؟ أم أن حسابات السياسة المعقدة جعلتها تقف موقف المتفرج، تاركة أبطال "الريان" يواجهون قدرهم بمفردهم؟
إن هذا الصمت، إن استمر، لا يهدد فقط بضياع فرصة استراتيجية لاستعادة المحافظة، بل يرسخ أيضًا شعورًا لدى القبائل بأن خياراتهم الوطنية لا تجد من يتبناها.

آفاق المستقبل
يبقى "مطرح الريان" اليوم في الجوف "ميزان الحرارة" لمستقبل المنطقة؛ فإما أن يتحول هذا الحراك إلى قوة ضاربة تفرض واقعًا جديدًا على الأرض، أو أن تتحول هذه الطاقة الشعبية إلى حكاية أخرى من حكايات الصمود المجهض.
وفي الحالتين، سيبقى التاريخ شاهدًا على أن "مطرح الريان" لم يكن مجرد خيام نُصبت في الصحراء، بل كان موقفًا سُطِّر بالكلمة والموقف في زمن عزّ فيه الرجال.