هل تُدار عدن بمرسومٍ مناطقي؟.. تساؤلاتٌ مشروعة حول مستقبل الإدارة المحلية
تخوض مدينة عدن، حاضرة الجنوب ودرته التي أضاءت بمصابيح المدنية عقودًا من الزمن، مخاضًا عسيرًا على وقع قرارات إدارية أثارت حفيظة النخب والشارع على حد سواء.
إن التعيينات الأخيرة التي طالت مديري المديريات لم تكن مجرد إجراء إداري روتيني، بل تحولت إلى "صدع سياسي" أعاد طرح السؤال الجوهري: هل تُدار عدن ببوصلة الكفاءة، أم بمنطق "الوصاية المناطقية" الذي يختزل تاريخًا طويلًا من التنوع والريادة؟
عدن.. ليست قصرًا يُدار بالوكالة
لقد كانت عدن، ولا تزال، منارةً أنجبت كوادر إدارية وسياسية ذاع صيتها منذ ثلاثينيات القرن العشرين. ومن هذا المنطلق، تبدو محاولات تكريس البعد المناطقي في المناصب الإدارية بمثابة انتقاص لا يسيء إلى عدن فحسب، بل يسيء أيضًا إلى المناطق التي ينتمي إليها المسؤولون أنفسهم. فالمناطق، مثل يافع، بتاريخها العريق وعمقها الحضاري، أكبر من أن تُختزل في قرار يصدر عن محافظ، أو تُوضع في مواجهة مع الحاضنة التاريخية لعدن.
إن التعامل مع عدن وكأنها "طفلة قاصرة" أو "عجوز أصابها الزهايمر" يعكس قراءةً سياسيةً قاصرة لا تستوعب طبيعة التركيبة السكانية والمدنية الفريدة للمدينة. فعدن اليوم ليست مدينة تنتظر الوصي، بل مدينة يغلي في عروقها دم الشباب، وتختزن في مؤسساتها ومجتمعها كفاءات قادرة على إحداث الفارق، متى ما أُتيحت لها فرص العدالة وتكافؤ الفرص.
ميزان الكفاءة.. المعيار المفقود
إن جوهر الأزمة لا يكمن في شخص المدير، بل في آلية الاختيار. فعندما يغيب معيار الكفاءة لصالح المحاصصة المناطقية، يحل الولاء الضيق محل المصلحة العامة. وهنا يجد الساسة أنفسهم أمام اختبار أخلاقي حقيقي؛ فإما الإيمان بدولة المؤسسات التي تحتضن الجميع تحت مظلة القانون، وإما الاستمرار في دوامة الكيل بمكيالين، بما يُقصي أبناء عدن ويكرس حالةً من النفور والاحتقان الإداري.
إن المطالبة بإنهاء هذه الوصاية ليست دعوة إلى العزلة أو الإقصاء، بل هي صرخة من أجل توطين الإدارة وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص. فحق إدارة شؤون المدينة ينبغي أن يكون مكفولًا لمن يمتلك الرؤية والكفاءة والقدرة، بعيدًا عن الانتماءات الجغرافية التي لا تزيد الوطن إلا انقسامًا وتفككًا.
رؤية للمستقبل.. نحو عدن الجميع
لقد آن الأوان للتحرر من عباءة المناطقية التي أضرت بالنسيج الاجتماعي والسياسي. إن عدن، التي كانت يومًا عاصمةً للتنوع والتعايش، تستحق إدارة تشبه روحها، وتجعل من المواطنة المتساوية المرجعية الوحيدة في التعيين وتولي المسؤولية.
سياسيًا، ينبغي على المحافظ والقوى السياسية مراجعة هذه القرارات، لا تحت ضغط الشارع فحسب، بل استجابةً لمتطلبات الدولة الحديثة التي تقوم على الاستحقاق والكفاءة والعدالة.
أما أدبيًا، فإن عدن لا تُحكم بالاستقواء بمناطق النفوذ، وإنما تُحكم بالاحترام المتبادل بين التاريخ والحاضر، وبين المدينة وأبنائها، وبين جميع المكونات الاجتماعية التي صنعت عبر العقود فسيفساءً فريدة من العيش المشترك.
ختامًا:
على الساسة أن يدركوا أن الأيام لا تعيد إنتاج نفسها، وأن أي مشروع إداري لا يُبنى على أسس العدالة والمساواة لن تكون مآلاته سوى المزيد من الاستنزاف الإداري والاجتماعي. فعدن، التي نهضت مرارًا من بين الركام، ليست بحاجة إلى من يقرر نيابةً عنها، بل إلى من يفتح الأبواب أمام طاقاتها وكفاءاتها لتتبوأ مكانها المستحق في صدارة المشهد، مدينةً للجميع، وإدارةً للجميع، ومستقبلًا للجميع.