أزمة دولة لا سلطة..!
إن سبر أغوار المشهد اليمني الراهن يتطلب التخلي التام وبصورة قطعية عن أدوات النظر السياسية السطحية التي تكتفي بمعاينة الأعراض الخارجية الصاخبة، والغوص عميقاً لفحص الأنسجة الحيوية المكونة لبنية البلاد.
العلة الحقيقية المزمنة التي تنهش في الجسد اليمني المثخن بالجراح لا تكمن في شحّ جولات التفاوض المستديرة، ولا في قصور الأداء الدبلوماسي للوسطاء الدوليين والإقليميين الذين يروحون ويجيئون دون طائل.
الأزمة الحقيقية المتجذرة تنبع بالأساس من خطأ معرفي وجودي وجذري في التشخيص؛ حيث تصر المسارات السياسية المتعاقبة على التعامل مع المعضلة بوصفها أزمة سلطة عابرة ونزاعاً تقنياً على تقاسم النفوذ والحصص والمناصب والحقائب الوزارية.
بينما يؤكد الفحص الدقيق والعميق لعمق المأزق التاريخي أننا أمام أزمة دولة حادة ووجودية، تجاوزت بمراحل شاسعة حدود الخلاف السياسي التقليدي لتضرب الفكرة والكيان والأساس الذي نهض عليه المجتمع.
في التجارب السياسية المستقرة عبر العالم واختلاف جغرافيتها، يختلف الفاعلون وتتباين الرؤى والمشاريع الأيديولوجية بعنف وشراسة، لكن هذا التدافع يظل محصوراً دوماً "داخل" بنية الدولة ومن أجل توجيه سياساتها العامة أو الفوز بتمثيلها الدستوري.
أما في الحالة اليمنية المعقدة، فقد أصاب العطب المحور الأساسي الناظم للعملية برمتها، وانتقل النزاع والتشظي العمودي والبرامجي إلى فكرة الدولة نفسها ككيان اعتباري وأخلاقي وجامع لكل الأطياف.
بات الخلاف متمحوراً ومستعراً حول كينونة هذه الدولة، شكلها الدستوري والقانوني، مركزها السيادي والشرعي، والجهة التي تملك التفويض الأخلاقي والقانوني لتمثيلها داخلياً وخارجياً بشكل حقيقي.
لم تعد الدولة في وعي المكونات المتصارعة سقفاً مشتركاً يحمي الجميع ويضمن حقوقهم، بل جرى تظهيرها عبر سنوات الاقتتال كساحة مكشوفة ومستباحة تتصادم فوقها مشاريع أيديولوجية ومناطقية وجيوسياسية متنافرة لا تلتقي على أي مصلحة وطنية عليا.
تأسيساً على هذا الخلل الهيكلي الفادح في فهم طبيعة الأزمة، تبدو معظم الاتفاقيات والتسويات الهشة التي أُبرمت في العواصم المختلفة، أو التي يجرى التبشير بها اليوم، مجرد مسكنات موضعية مؤقتة ومخدر موضعي قصير الأمد.
إن هذه الاتفاقيات تنجح فقط في إدارة التناقضات المشتعلة وتجميد الصراع المسلح لفترات وجيزة لالتقاط الأنفاس، لكنها تعجز تماماً وبصورة مطلقة عن استئصال مسببات الانهيار الكلي البنيوي.
تجمع هذه التفاهمات القسرية الخصوم والأضداد الأيديولوجيين تحت سقف واحد مرتعش وآيل للسقوط، مدفوعة بحسابات اللحظة الحرجة وضغوط القوى الخارجية أو المصالح الآنية النفعية الضيقة.
لكنها تتفادى بوعي كامل أو بجهل مركب الإجابة عن السؤال الوجودي الأكبر: هل ما زال هناك اتفاق حقيقي، مبدئي، وضمني بين اليمنيين على البيت الكبير نفسه، أم أن التنافس ينحصر فقط في كيفية تقاسم الغرف وتوزيع الحصص داخل مبنى متهدم متصدع؟
الخطر الحقيقي والداهم الذي يهدد الكيان اليمني بالزوال والتلاشي من خارطة الجغرافيا السياسية ليس متمثلاً في ترسانة الأسلحة المشرعة والحديثة، ولا في اتساع الرقعة الجغرافية للمواجهات العسكرية الدامية على الأرض.
الخطر الأشد فتكاً وتدميراً، والذي يتسلل كمرض بنيوي صامت في مفاصل المجتمع ومؤسساته، هو تآكل فكرة الدولة كمرجعية قانونية، سياسية، وأخلاقية ناظمة تفوق الجميع وتخضع لها كل القوى مهما بلغت سطوتها.
الحروب، مهما بلغت شراستها وتمددت مساحاتها الزمنية والمكانية، يمكن إيقافها بقرار سياسي شجاع أو بصفقة كبرى تفرضها موازين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المشهد.
أما إعادة بناء الدولة بوصفها عقداً اجتماعياً متيناً ومظلة مواطنة متساوية ومشتركة، فتلكم مسألة بالغة التعقيد والعمق، تتطلب إعادة صياغة الوعي الجمعي والثقافي قبل صياغة النصوص الجافة والبنود السياسية الميتة.
الدولة في منطلقاتها الفلسفية، التاريخية، والوجودية ليست مجرد خرقة علم ملون ترفرف فوق المقار الحكومية الرسمية، ولا وثيقة سفر ورقية تمنح حاملها حق العبور من مطار إلى آخر، ولا مقعداً خشبياً بارداً في المحافل الدولية.
الدولة، قبل كل هذه المظاهر والشكليات السيادية الضرورية، هي قناعة راسخة وعميقة تسكن ضمير ووجدان الجماعة الوطنية بأن هذا الكيان يمثل ضرورة وجودية قصوى تستحق البقاء والتضحية والدفاع عنها.
هي الإدراك المشترك الواعي بأن أي صراع أو تباين في الرؤى والمصالح يجب أن يدار بالكامل "داخل" الدولة لتقويم مسارها وإصلاح عيوبها، لا أن يتحول الصراع "على" الدولة لتدمير بنيتها أو تسخيرها لفئة أو طائفة أو جهة دون أخرى.
إن الإصرار على مواصلة العبث السياسي الحالي وتكرار ذات المسارات العقيمة لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة واستدامة النزيف البشري والمادي المؤلم.
ما لم ينتقل اليمنيون، قادة ونخباً ومجتمعاً ومثقفين، من عقلية "إدارة الأزمة" اللحظية والتعامل مع القشور والأعراض الجانبية، إلى عقلية الفحص الجذري الشامل التي تعالج "أزمة الدولة" بنيوياً، فلن يجدوا سبيلاً للخروج من هذا التيه والضياع.
ستبقى كل الصيغ السياسية المعروضة والمحتملة خلف الكواليس مجرد هدن مؤقتة وهشة، قابلة للانكسار والتهاوي العنيف عند أول اختبار حقيقي لتضارب المصالح المحلية أو الأجندات الإقليمية.
ولن تكون هذه الحلول الترقيعية التلفيقية بأي حال من الأحوال مرتكزات حقيقية أو قواعد صلبة لتأسيس سلام مستدام ومتماسك يصمد أمام تحولات المستقبل وعواصفه القادمة.
السؤال الجاد والجوهري والأخلاقي الذي يفرض نفسه بقوة الحقيقة في هذه المرحلة التاريخية الحرجة يتجاوز التساؤل التقليدي المستهلك: متى تتوقف الحرب وتصمت فوهات المدافع؟
السؤال الحقيقي، العاري، والمنفذ مباشرة إلى قلب المعضلة الكبرى هو: أي دولة يريدها ويحتاجها اليمنيون بحق، ومن يملك القدرة الكافية والإرادة الوطنية الصادقة لإعادتها كمرجعية مشتركة وعليا فوق كل الانقسامات العمودية والولاءات الفرعية القاتلة؟
إن الإجابة الصادقة عن هذا التساؤل المصيري تتطلب مكاشفة تاريخية شجاعة تتجاوز المناورات السياسية الضيقة، وتضع مصلحة البقاء الوطني والنسيج المجتمعي فوق كل اعتبار حزبي أو جهوي.
فبدون تحديد دقيق لهوية وملامح وطبيعة الدولة المستقبلية التي تضمن الشراكة والعدالة، ستظل كل الجهود المبذولة لإنهاء الصراع مجرد محاولات بائسة لحرث البحر، لن تنتج سوى مزيد من تمديد المعاناة وتعميق التمزق والتشظي.
يوضح الفحص الدقيق والعميق لكيان الأزمة أن الطريق الوحيد المؤدي إلى الاستقرار الحقيقي يمر حتماً عبر استعادة فكرة الدولة في الوعي أولاً، ثم إعادة بناء مؤسساتها على أسس راسخة من العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، لتكون إطاراً جامعاً يتسع لجميع أبنائه بلا استثناء، لا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وإنتاج الحروب والنزاعات المستمرة.