يوميات الخوف .. عندما يُهزم الأمل تحت أقدام الظلم
على مشارف المدينة التي أطبق الحصار على عنقها، تقف تلك المرأة المسنة كشجرةٍ ذابلةٍ في مهب الريح، جسدها المنهك يتحدى شمس الظهيرة الحارقة منذ ساعاتٍ طوال، وتتوسد في يديها المرتجفتين ملفًا طبيًا متهالكًا، أوراقٌ هي كل ما تبقى لها من أملٍ لإنقاذ فلذة كبدها، ابنها الوحيد الذي يصارع مرضًا ينهش جسده النحيل بصمت، وينتظر منها جرعة دواء لا تتوفر إلا خلف تلك الحواجز التي تفصل بين الحياة والموت، وفي الطابور الطويل الممتد كأفعى من القهر والانتظار، تتجاذبها هواجس الخوف على ولدها الذي يغرق في ألمه في غرفته المظلمة، وكلما تحرك الصف شبرًا، تجددت في روحها نبضة رجاءٍ واهية، لكن الوصول إلى نقطة التفتيش كان يعني الدخول إلى الجحيم بعينه، حيث يتجرد البعض من إنسانيتهم ليتحولوا إلى جدرانٍ صماء لا تعرف للرحمة طريقًا.
تقدمت المرأة بخطواتٍ مثقلةٍ بالخوف والرجاء معًا، ومدت يديها بالملف الطبي، محاولةً شرح حالته بكلماتٍ متلعثمة ودموعٍ ترجو غوثًا، لكن المسلح الواقف كتمثالٍ من حديد لم يكترث لصوتها الواهن، وبدلًا من أن تُقابل بالرحمة، قوبلت بنظراتٍ فاترةٍ تملؤها الريبة والتعالي، لم يكتفِ بصدها ومنع مرورها، بل بدأ يقلب الأوراق باستهزاءٍ بارد، وعندما رأت براءتها تضيع، توسلت إليه بدموعٍ حارةٍ تنبض بوجع الأمومة، لكنها كانت تنفخ في رماد، وتستجدي قلبًا خاليًا من أبسط معاني الشفقة.
وفجأة، ودون سابق إنذار، وبحركةٍ مباغتةٍ كبرود الرصاص، مزق المسلح تلك التقارير أمام عينيها المصدومتين، مزق معها كل جسور الأمل التي بنتها بدموع الليالي الطويلة، لم يكتفِ بالتمزيق، بل أطلق في وجهها عبارته القاتلة: "أوراق مشبوهة"، اتهامٌ باطلٌ جعل العالم يدور في عينيها دوارًا مريرًا، فعادت الأم أدراجها، وخطواتها ثقيلةٌ بوزن الخيبة المرة، تركت خلفها كرامتها المبعثرة على تراب نقطة التفتيش، وعادت لبيتٍ يغلفه الصمت، وتنهشه أنات ابنها الموجوع، عادت لتخبره بمرارةٍ أن الدواء قد ذاب في صمت الحصار القاسي، لتجده ينتظرها بابتسامةٍ شاحبةٍ، فتموت في قلبها ألف مرةٍ قبل أن تودع الحياة، لقد انتصر القهر على الرحمة، وانهزم الأمل تحت أقدام الظلم المتمثل في بندقيةٍ لا تعرف كيف تفرق بين دواءٍ وداء.