17 يوليو 1978.. محطة مفصلية في تاريخ اليمن الحديث وبداية مرحلة أعادت بناء الدولة
يُعد السابع عشر من يوليو/تموز 1978 واحدًا من أبرز المحطات في التاريخ السياسي اليمني، إذ شهد انتخاب الرئيس الشهيد الزعيم علي عبد الله صالح رئيسًا للجمهورية العربية اليمنية، في مرحلة كانت البلاد تمر خلالها بظروف سياسية وأمنية معقدة أعقبت سنوات من الاضطرابات وتغيّر القيادات والانقلابات.
ويرى كثير من المتابعين للشأن اليمني أن ذلك التاريخ مثّل بداية مرحلة جديدة في مسار الدولة، اتسمت بمحاولات ترسيخ مؤسسات الحكم وتعزيز الأمن والاستقرار، إلى جانب إطلاق مشاريع تنموية شملت مختلف القطاعات، وهو ما جعل تلك الفترة تُستحضر لدى شريحة واسعة من اليمنيين بوصفها مرحلة ارتبطت بقيام الدولة وتعزيز حضورها.
انطلاقة مرحلة جديدة
مع أداء الرئيس علي عبد الله صالح اليمين الدستورية، بدأت مرحلة مختلفة في إدارة الدولة، ركزت على تثبيت النظام الجمهوري، وتعزيز مؤسسات الدولة، وإرساء قواعد العمل السياسي والإداري، وسط تحديات داخلية كبيرة فرضتها طبيعة المرحلة آنذاك.
وشهدت السنوات اللاحقة تنفيذ برامج تنموية في مجالات البنية التحتية والتعليم والصحة والخدمات، إلى جانب توسيع مؤسسات الدولة في المحافظات، بما عزز من حضورها الإداري والأمني في مختلف المناطق.
ويعتبر مراقبون أن تلك المرحلة مثلت نقطة تحول سياسية واقتصادية واجتماعية، إذ انتقلت اليمن تدريجيًا من واقع محدود الإمكانات إلى مرحلة أكثر انفتاحًا على محيطها العربي والدولي.
ترسيخ النظام الجمهوري
خلال تلك الحقبة، حافظت الجمهورية اليمنية على نهجها الجمهوري، وتوسعت المشاركة السياسية بصورة تدريجية، وصولًا إلى تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، التي تُعد أبرز المنجزات الوطنية في التاريخ اليمني الحديث، إلى جانب استمرار العمل على ترسيخ أهداف ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر.
كما شهدت البلاد توسعًا في مؤسسات القضاء والأمن والإدارة المحلية، وإصدار عدد من القوانين المنظمة للحياة العامة، بما أسهم في تعزيز مفهوم الدولة الحديثة وسيادة القانون.
من المؤسسة العسكرية إلى قيادة الدولة
شكل انتخاب علي عبد الله صالح رئيسًا للجمهورية حدثًا استثنائيًا في تلك المرحلة، حيث جاء إلى الرئاسة قادمًا من المؤسسة العسكرية، بعد أن انتخبه مجلس الشعب التأسيسي، في خطوة اعتبرها كثيرون آنذاك تجسيدًا لآلية دستورية في انتقال السلطة.
وتولى المسؤولية في وقت كانت البلاد تواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة، الأمر الذي جعل مهمته توصف بأنها من أصعب المراحل التي مرت بها الجمهورية اليمنية منذ قيامها.
بناء مؤسسات الدولة
ركزت القيادة الجديدة منذ الأيام الأولى على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوسيع الأجهزة الأمنية والقضائية، وإنشاء مراكز الشرطة والنيابات والمحاكم في عدد من المحافظات، إلى جانب إصدار تشريعات لتنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين، وتعزيز هيبة القانون.
كما شهدت البلاد توسعًا في تنفيذ مشاريع الطرق، وشبكات الاتصالات، والمدارس، والمستشفيات، والخدمات الأساسية، في إطار خطط تنموية هدفت إلى تحسين مستوى المعيشة وربط مختلف المحافظات بشبكة من البنية التحتية.
نهج سياسي قائم على التعددية
وعلى الصعيد السياسي، شهدت اليمن خلال تلك الفترة تطورات مهمة، تمثلت في اعتماد نهج الحوار السياسي، وإقرار قوانين لتنظيم العمل الحزبي والإعلامي، والسماح بالتعددية السياسية وحرية الصحافة، وهي خطوات اعتُبرت حينها تحولًا في الحياة السياسية اليمنية مقارنة بالمراحل السابقة.
كما جرى اعتماد الميثاق الوطني باعتباره مرجعية سياسية لتنظيم الحياة العامة، إلى جانب معالجة العديد من القضايا والخلافات عبر الحوار بدلاً من المواجهة.
الوحدة اليمنية.. أبرز الإنجازات
ويجمع كثير من الباحثين على أن تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 يمثل أبرز الإنجازات الوطنية خلال تلك المرحلة، باعتبارها أنهت عقودًا من الانقسام بين شطري البلاد، وأرست كيانًا سياسيًا موحدًا، إلى جانب بناء مؤسسات الدولة الموحدة وتوسيع العلاقات الخارجية لليمن.
كما شهدت البلاد تطورًا في مجالات التعليم والصحة والاستثمار والاتصالات، وازدياد حضور اليمن في المحافل الإقليمية والدولية، بما عزز مكانتها السياسية خلال تلك الفترة.
ذكرى تستحضرها الذاكرة اليمنية
وتأتي ذكرى السابع عشر من يوليو كل عام في ظل ظروف استثنائية تعيشها اليمن منذ سنوات، وهو ما يدفع كثيرًا من اليمنيين إلى استحضار تلك المرحلة، ومقارنتها بالواقع الراهن الذي يشهد تحديات سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة.
وبينما تختلف التقييمات التاريخية لتلك الحقبة، فإنها تبقى محطة محورية في تاريخ الجمهورية اليمنية، ارتبطت لدى كثيرين ببناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الوحدة، وإطلاق مشاريع التنمية، فيما ينظر إليها آخرون بوصفها مرحلة تستحق دراسة شاملة بما لها وما عليها في سياق التاريخ السياسي الحديث لليمن.