السابع عشر من يوليو.. اليوم الذي استعاد فيه اليمن هيبة الدولة وصاغ الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح معادلة الاستقرار والسيادة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليس السابع عشر من يوليو مجرد مناسبة تُستعاد في الذاكرة الوطنية، بل تاريخ ارتبط ببداية مرحلة صنعت ملامح اليمن الحديث، عندما تسلم الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح مسؤولية قيادة البلاد في واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا وخطورة. كانت الدولة آنذاك تقف على حافة المجهول، تتنازعها الصراعات والاغتيالات والانقسامات، فيما كانت المنطقة والعالم يعيشان ذروة الاستقطاب الدولي. وفي تلك اللحظة الفاصلة، برزت قيادة اختارت أن تواجه التعقيد بالعقل، وأن تحول المخاطر إلى فرص، والفوضى إلى مشروع دولة.

لم يكن الوصول إلى السلطة في السابع عشر من يوليو مكسبًا سياسيًا بقدر ما كان تكليفًا وطنيًا بالغ الكلفة. فقد تسلمالشهيد الرئيس  علي عبدالله صالح دولة مثقلة بالأزمات، لكنه أدرك أن بقاء اليمن لا يتحقق إلا ببناء مؤسسات قوية، وترسيخ الأمن، وإطلاق مشروع وطني يتجاوز الحسابات الضيقة ويجمع اليمنيين حول هوية الجمهورية ووحدة المصير. ومن هنا بدأت مرحلة اتسمت بالسعي إلى تثبيت الاستقرار، وتوسيع مؤسسات الدولة، وإرساء قواعد العمل السياسي والحوار الوطني.

وفي السياسة الخارجية، انتهجت اليمن خلال تلك المرحلة مسارًا اتسم بالتوازن والواقعية، فحافظت على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، بعيدًا عن الارتهان لمحاور الصراع، مع التمسك بالثوابت الوطنية والقومية، وفي مقدمتها دعم القضية الفلسطينية ورفض التفريط بالحقوق العربية. واستطاعت الدبلوماسية اليمنية أن تقدم نموذجًا يقوم على الحوار واحترام القانون الدولي، وهو ما تجسد في معالجة ملفات الحدود مع دول الجوار، واستعادة السيادة على جزر حنيش عبر التحكيم الدولي، في تجربة عكست حضور الدولة وثقتها بنفسها.

وعلى الصعيد الداخلي، شهدت البلاد توسعًا في مشاريع البنية التحتية، وامتدت الطرق إلى مناطق كانت معزولة، وتطورت قطاعات النفط والغاز، وأعيد بناء سد مأرب بوصفه رمزًا لعودة الدولة إلى الاستثمار في المستقبل، كما توسعت الخدمات التعليمية والصحية، وبرزت مشاريع تنموية شكلت جزءًا من رؤية هدفت إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على النهوض رغم التحديات.

ويبقى المنجز الذي ارتبط باسم تلك المرحلة هو إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990، باعتبارها أحد أبرز الأحداث السياسية في تاريخ اليمن الحديث. فقد مثلت الوحدة تحولًا تاريخيًا أنهى عقودًا من الانقسام، وفتحت الباب أمام تجربة سياسية جديدة قامت على التعددية الحزبية والانتخابات وحرية الصحافة، لترسم ملامح مرحلة مختلفة في الحياة السياسية اليمنية.

لقد كان الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح، رجل دولة امتلك قدرة استثنائية على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية، وتحويل التعقيدات إلى مساحات للحوار، والإمساك بخيوط المشهد في بيئة سياسية بالغة الصعوبة. ويُنظر إلى مسيرته بوصفها مرحلة تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الجمهورية، سواء في بناء المؤسسات أو في ترسيخ حضور اليمن إقليميًا ودوليًا، وهو ما جعل اسمه حاضرًا في الذاكرة السياسية لقطاع واسع من اليمنيين.

وحين استشهد، بقي حضوره السياسي جزءًا من الجدل حول تاريخ اليمن الحديث، و ترجل شهيدًا وهو متمسك بقناعاته السياسية، وأن إرثه ظل مرتبطًا بالدفاع عن الجمهورية والوحدة والدولة. ولذلك لا يُستدعى السابع عشر من يوليو باعتباره ذكرى شخصية أو مناسبة عابرة، بل باعتباره محطة مفصلية ارتبطت ببداية مشروع سياسي لا يزال أثره حاضرًا في وجدان كثير من اليمنيين، ودليلًا على أن بناء الدول يحتاج إلى قيادة تمتلك الشجاعة في القرار، والقدرة على إدارة الأزمات، والإيمان بأن الأوطان لا تُصان إلا بوحدة أبنائها وقوة مؤسساتها.