قراءة جيوسياسية في قرار مجلس الأمن (2826) والسجال الأمريكي-الصيني حول الحوثيين

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم تكن جلسة مجلس الأمن الدولي في 14 يوليو/تموز 2026 مجرد جلسة إجرائية لتمديد آلية رفع التقارير الشهرية حول هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر، بل شكلت نافذة كاشفة عن طبيعة التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث أصبح الملف اليمني جزءاً من إعادة رسم موازين القوى العالمية، ولم يعد مجرد نزاع داخلي أو حتى أزمة إقليمية.
فالقرار رقم (2826)، الذي حظي بتأييد ثلاثة عشر عضواً وامتناع كل من الصين وروسيا، كشف أن البحر الأحمر لم يعد يمثل ممراً مائياً فحسب، وإنما أصبح أحد أهم ميادين التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، وساحة متقدمة للصراع الأمريكي الإيراني، ونقطة ارتكاز لإعادة تشكيل منظومة الأمن البحري العالمي.
اليمن من حرب أهلية إلى عقدة في الأمن الدولي
منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2014 كان الاهتمام الدولي ينصب على الأزمة الإنسانية، لكن بعد هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية منذ أواخر عام 2023 تغيرت طبيعة الأزمة بالكامل.
فاليمن أصبح اليوم يمثل نقطة تقاطع بين أربعة ملفات استراتيجية:
أمن الطاقة العالمي.
حرية التجارة الدولية.
التنافس الأمريكي الصيني.
المواجهة الممتدة مع المشروع الإيراني.
وهذا التحول منح البحر الأحمر وزناً استراتيجياً لم يشهده منذ الحرب العالمية الثانية.
القرار 2826... أكثر من مجرد تمديد
قد يبدو القرار في ظاهره تمديداً فنياً لآلية التقارير الشهرية، إلا أن مضمونه يحمل أبعاداً سياسية وقانونية بعيدة المدى.
فاستمرار التقارير الشهرية يعني استمرار تصنيف هجمات الحوثيين باعتبارها تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وليس مجرد امتداد للحرب اليمنية.
وهذا الفارق بالغ الأهمية.
فكل تقرير جديد يصدر عن الأمم المتحدة يضيف وثيقة جديدة إلى أرشيف قانوني دولي يمكن الاستناد إليه مستقبلاً في:
تشديد العقوبات.
ملاحقة شبكات التهريب.
تحميل الجهات الداعمة المسؤولية القانونية.
منع أي محاولة لإضفاء شرعية دولية على الحوثيين دون معالجة ملف السلاح والتهديد البحري.
ولهذا يمكن اعتبار القرار بمثابة تثبيت دولي للرواية التي تؤكد أن الحوثيين لم يعودوا مجرد طرف يمني، وإنما أصبحوا فاعلاً يهدد الاقتصاد العالمي.
السجال الأمريكي الصيني... المعركة الحقيقية
اللافت أن النقاش داخل مجلس الأمن لم يتركز على الحوثيين أنفسهم بقدر ما تركز على الصين.
فواشنطن لم تكن تستهدف الحوثيين فقط، وإنما أرادت نقل المسؤولية السياسية إلى بكين.
حين أعلن المندوب الأمريكي أن 70% من المواد مزدوجة الاستخدام المضبوطة ذات منشأ صيني، فإنه لم يكن يناقش أرقاماً جمركية، بل كان يوجه اتهاماً استراتيجياً.
فالولايات المتحدة تسعى إلى بناء سردية جديدة مفادها أن الصين، وإن لم تكن تزود الحوثيين بالسلاح بصورة مباشرة، فإن صناعاتها أصبحت جزءاً من سلسلة الإمداد التي تغذي التهديدات البحرية.
وهذا يحمل عدة أهداف:
أولاً، تحميل الصين مسؤولية أخلاقية وسياسية عن اضطراب التجارة العالمية.
ثانياً، إيجاد مبررات مستقبلية لفرض قيود على صادرات التكنولوجيا والمواد مزدوجة الاستخدام القادمة من الصين.
ثالثاً، إضعاف الصورة التي تحاول بكين ترسيخها باعتبارها قوة مسؤولة تدافع عن الاستقرار العالمي.
ورابعاً، نقل المنافسة الأمريكية الصينية من الاقتصاد والتكنولوجيا إلى ملف الأمن البحري، و
لماذا لم تنف الصين الاتهام بصورة مباشرة؟
المثير للاهتمام أن بكين لم تدخل في نقاش تقني حول نسبة السبعين بالمائة،
بل اختارت استراتيجية مختلفة تماماً.
فقد أعادت توجيه النقاش نحو السياسة الأمريكية نفسها، معتبرة أن العمليات العسكرية الأمريكية داخل اليمن، والضربات التي استهدفت إيران أثناء المفاوضات، هي السبب الحقيقي لتفاقم الأزمة،
وبذلك حاولت الصين تحويل نفسها من متهم إلى مدافع عن القانون الدولي والحلول السياسية،
وهذا يعكس طبيعة الدبلوماسية الصينية التي تتجنب المواجهة المباشرة، وتفضل نقل النقاش إلى مبادئ عامة مثل:
احترام السيادة،
و عدم التدخل، و اللجوء إلى الحلول السياسية و رفض الأحادية الأمريكية من خلال هذا الدفاع الصيني الذي يكشف أيضاً حجم المأزق الذي تواجهه بكين، فالصين هي أكبر المستفيدين اقتصادياً من حرية الملاحة في البحر الأحمر، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بعلاقات استراتيجية مع إيران، الداعم الرئيسي للحوثيين، و هنا يظهر التناقض بين المصالح الاقتصادية والتحالفات الجيوسياسية.
الموقف الروسي... براغماتية أكثر من كونه دعماً للحوثيين
الامتناع الروسي لا يمكن تفسيره باعتباره انحيازاً للحوثيين.
بل يعكس حسابات أكثر تعقيداً.
فموسكو ترى أن استمرار الآليات الغربية الخاصة بمراقبة الملاحة قد يتحول مستقبلاً إلى أدوات تستخدم ضد حلفائها.
كما أن روسيا تحاول إبقاء التركيز على التسوية السياسية اليمنية، وفي الوقت نفسه لا ترغب بمنح واشنطن انتصاراً دبلوماسياً جديداً داخل مجلس الأمن.
إضافة إلى ذلك، فإن موسكو تدرك أن استمرار انشغال الولايات المتحدة بالشرق الأوسط يمنحها مساحة أوسع للمناورة في ملفات دولية أخرى.
أوروبا... الأمن البحري أصبح أمنها القومي
مواقف فرنسا والدنمارك واليونان عكست تحولاً مهماً في التفكير الأوروبي.
فالتهديدات الحوثية لم تعد تُقرأ باعتبارها أزمة شرق أوسطية، بل أصبحت تمس الأمن الاقتصادي الأوروبي مباشرة،
ولهذا برزت مهمة "أسبيدس" الأوروبية كأول مؤشر على انتقال الاتحاد الأوروبي من دور المراقب إلى دور الفاعل العسكري في حماية طرق التجارة الدولية.
وهذا يمثل تطوراً مهماً في مفهوم الأمن الأوروبي.
الصومال... الرسالة التي تجاهلها كثيرون
من أكثر المواقف عمقاً كان الموقف الصومالي، فبينما أيد القرار، الربط بين أمن البحر الأحمر ومحاولات إعادة تشكيل القرن الأفريقي.
وإشارة مقديشو إلى قضية أرض الصومال لم تكن خروجاً عن موضوع الجلسة، بل كانت رسالة واضحة مفادها أن أي إعادة رسم للخريطة السياسية على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر ستنعكس مباشرة على أمن الملاحة.
وهذا يكشف الترابط المتزايد بين ملفات اليمن، والقرن الأفريقي، والبحر الأحمر.
الضربة الحوثية على مطار أبها... توسيع مسرح العمليات
إشارة الولايات المتحدة إلى الهجوم على مطار أبها المدني في اليوم السابق للجلسة تحمل دلالة استراتيجية مهمة.
فالرسالة الأمريكية كانت أن الحوثيين لا يهددون السفن فقط، وإنما يسعون إلى توسيع دائرة الصراع لتشمل الطيران المدني والمنشآت الحيوية السعودية، و بذلك يصبح الملف أكثر ارتباطاً بالأمن الإقليمي، ويصعب اختزاله في قضية الملاحة البحرية فقط.
هل يصب القرار في مصلحة الحكومة الشرعية؟
رغم أن القرار لا يغير موازين القوى العسكرية على الأرض، إلا أنه يمنح الحكومة الشرعية مكاسب سياسية وقانونية مهمة.
فهو يرسخ الاعتراف الدولي بأنها تمثل الدولة اليمنية في مواجهة جماعة ما تزال الأمم المتحدة تعتبرها مصدراً لتهديد الأمن والسلم الدوليين.
كما أن استمرار توثيق الانتهاكات الحوثية يحد من أي محاولات مستقبلية لتطبيع الجماعة سياسياً دون معالجة قضية السلاح والارتباط الخارجي.
ومن زاوية أخرى، فإن القرار يبقي القضية اليمنية حاضرة في مجلس الأمن ضمن إطار حماية الأمن الدولي، وليس فقط باعتبارها أزمة إنسانية.
استشراف المرحلة المقبلة
تشير المعطيات إلى أن البحر الأحمر سيظل خلال المرحلة القادمة أحد أكثر مسارح الصراع الدولي حساسية.
فالمواجهة لم تعد بين الحكومة اليمنية والحوثيين فقط، بل أصبحت بين مشروعين لإدارة النظام الدولي:
الأول تقوده الولايات المتحدة، ويرتكز على التحالفات العسكرية وحرية الملاحة واحتواء إيران، و أما الثاني فتسعى الصين إلى ترسيخه عبر توسيع نفوذها الاقتصادي والدعوة إلى نظام دولي متعدد الأقطاب يقوم على تقليص الهيمنة الغربية، مع تجنب الانخراط العسكري المباشر،
وبين هذين المشروعين، تتحول اليمن تدريجياً إلى إحدى أهم العقد الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع حسابات القوى الإقليمية، ليصبح البحر الأحمر مختبراً حقيقياً لشكل النظام الدولي القادم.
و الخلاصة مما سبق أن تلك الجلسة لم تكن جلسة اعتيادية لمجلس الأمن الدولي في 14 يوليو 2026 وليست مجرد نقاش حول تقرير أممي أو تمديد آلية إجرائية، بل مثلت مواجهة دبلوماسية كشفت حجم التحول في النظرة الدولية إلى اليمن والبحر الأحمر. فقد انتقل النقاش من إدانة هجمات الحوثيين إلى مساءلة سلاسل الإمداد الدولية، ومن معالجة أزمة يمنية إلى اختبار موازين القوى بين الولايات المتحدة والصين وروسيا،
ورغم امتناع بكين وموسكو، فإن تصويت الأغلبية الساحقة لصالح القرار (2826) يؤكد أن المجتمع الدولي لا يزال ينظر إلى هجمات الحوثيين باعتبارها تهديداً مباشراً للأمن البحري والاقتصاد العالمي، وهو ما يمنح الحكومة الشرعية اليمنية سنداً سياسياً وقانونياً مهماً في معركة استعادة الدولة، ويؤكد أن أي تسوية سياسية مستقبلية لن تكون قابلة للحياة ما لم تعالج جذور الأزمة، وفي مقدمتها إنهاء الانقلاب الحوثي، وحصر السلاح بيد الدولة، وضمان أمن البحر الأحمر باعتباره مصلحة دولية تتجاوز حدود اليمن.

أكاديمي ومحلل سياسي يمني جامعة تعز