طبول الحرب لا تصمت: استراتيجية "التصعيد المتعمد" لمليشيا الحوثيين لتقويض مسارات السلام
في الوقت الذي تتطلع فيه الأنظار إلى بارقة أمل لإنهاء سنوات من الصراع، تبرز "مليشيا الحوثي" كقوة معطلة لأي مسار سياسي، متبعةً نهجاً يقوم على "استدامة التوتر" بدلاً من الانخراط في استحقاقات السلام. تؤكد المعطيات الميدانية والسياسية الأخيرة أن هذه المليشيا لا تتعامل مع اتفاقيات التهدئة كالتزامات، بل كفترات تكتيكية لالتقاط الأنفاس قبل جولات جديدة من التصعيد.
خرق العهود كسياسة ممنهجة
تاريخ التعامل مع مليشيا الحوثي حافل بنكث العهود، بدءاً من اتفاقيات تبادل الأسرى وصولاً إلى الهدن الأممية المتكررة. يلاحظ المراقبون أن المليشيا تعمد إلى التوقيع على الاتفاقات تحت ضغوط معينة، ثم تعمل فوراً على تفريغها من مضمونها، مستخدمةً "سياسة المماطلة" لتكسب الوقت وتُعيد ترتيب أوراقها العسكرية، مما يجعل السلام بالنسبة لها مجرد "خيار مؤقت" لا استراتيجية وطنية.
يد للمناورة وأخرى على السلاح
يقول الدكتور محمد عبد الله الحكيمي، الباحث في شؤون النزاعات: "إن سلوك مليشيا الحوثي ليس نابعاً من ضعف أو غياب للرؤية، بل هو تطبيق عملي لعقيدة قائمة على العسكرة الدائمة.
ما نراه من خروقات متكررة للاتفاقات هو استراتيجية 'الاستنزاف السياسي'. المليشيا تعي تماماً أن الانخراط الحقيقي في عملية السلام يعني بالضرورة تفكيك أدوات سيطرتها، لذا تحول طاولة المفاوضات إلى ساحة للمناورة، وتضع يدها الأخرى على الزناد".
صناعة الأزمات لتعطيل الحلول
تتقن مليشيا الحوثي فن "اختراع المشاكل" كلما لاحت في الأفق فرصة لتحقيق اختراق سياسي. فبمجرد اقتراب الأطراف من طاولات المفاوضات، تفتعل المليشيا أزمات مفتعلة، سواء عبر تصعيد عسكري مفاجئ في الجبهات، أو خلق عقبات إدارية واقتصادية، أو فرض شروط تعجيزية تهدف في جوهرها إلى عرقلة الوصول إلى أي تسوية سلمية تُنهي سيطرتها على مفاصل الدولة.
تفضيل الحرب على السلم
تشير التحليلات الميدانية إلى أن المليشيا تستثمر كل مقدراتها في إشعال فتيل الحرب، متجاهلةً التداعيات الكارثية على الشعب اليمني. إن تحشيد المقاتلين، والاستمرار في تعبئة المجتمع، وتوظيف الإمكانات الاقتصادية لتمويل المجهود الحربي، يعكس عقيدة قتالية لا تجد مبرر وجودها إلا في حالة "اللا سلم". فالسلام بالنسبة للمليشيا يعني فقدان السيطرة وتلاشي الذرائع التي تتكئ عليها لحكم المناطق الخاضعة لنفوذها.
يحولون كل اتفاق دولي إلى فرصة تكتيكية لتعزيز مواقعهم
يؤكد العميد صالح ناصر اليافعي، قائد ميداني سابق: "من واقع مراقبتنا للميدان، المليشيا لا تؤمن بمفهوم الهدنة. نرصد بشكل دوري تحركات واسعة لإعادة التموضع وحفر الخنادق وزراعة الألغام حتى في فترات السكون المفترض.
في كل مرة نقترب فيها من تفاهمات، تكثف المليشيا من عمليات التحشيد وتغيير القيادات الميدانية لضمان ولاء مطلق للمتشددين، فهم يحولون كل اتفاق دولي إلى فرصة تكتيكية لتعزيز مواقعهم".
استراتيجية الهروب إلى الأمام
في كل مرة يزداد الضغط الدولي والشعبي للتوجه نحو الحلول السياسية، تلجأ المليشيا إلى خيار "التفجير الميداني" للأوضاع. هذا السلوك يهدف إلى إرسال رسالة مفادها أنها الطرف الأقوى الذي يملك القدرة على تغيير قواعد اللعبة في أي وقت، وهو ما يثبت أن قرار الحرب والسلم ليس بيد المليشيا فحسب، بل هو جزء من أجندة إقليمية تستخدم اليمن كساحة لتصفية الحسابات.
صوت المجتمع
يقول الأستاذ ياسر هشام العبسي، ناشط حقوقي: "ما يغيب عن التقارير الدولية أحياناً هو الثمن الباهظ الذي يدفعه المواطن العادي جراء هذا التصعيد المتعمد.
المليشيا لا تكتفي بشن الحرب العسكرية، بل تشن حرباً اقتصادية وإدارية تخنق الناس. في كل مرة يقترب فيها المواطنون من تنفس الصعداء، تفتعل المليشيا أزمات لتقول لهم إن 'الموت أفضل من الحياة بدوننا'. السلام بالنسبة للمليشيا عدو وجودي، لأن المجتمع المتعافي يعني مجتمعاً يرفض الوصاية".
إلى أين؟
إن استمرار مليشيا الحوثي في هذا النهج التصعيدي يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي وسياسي؛ فلا يمكن بناء سلام مستدام مع طرف لا يؤمن بالعهود، ويرى في الحرب وسيلة للبقاء. إن السلام في اليمن يتطلب أكثر من مجرد اتفاقيات على الورق، بل يتطلب ضغطاً حقيقياً يُجبر هذا الطرف على التخلي عن خيار السلاح والقبول بمتطلبات الدولة المدنية التي تنبذ الحروب وتصون دماء اليمنيين.