الحوثيون يصعدون إيرانيًا عبر الأجواء اليمنية .. مركز الملاحة تحدٍّ للسيادة وتحولات مقلقة
تواصل عصابة الحوثي الإيرانية، ومن خلفها النظام الإيراني، تصعيدها فيما يتعلق باختراق الأجواء اليمنية، عبر تسيير رحلات جسر جوي بين طهران وصنعاء لنقل عتاد قتالي إيراني، في محاولة لفرض واقع جديد في أهم المناطق الملاحية الدولية بالمنطقة.
وفي هذا الإطار، أعلنت عصابة الحوثي استكمال الفرق الفنية التابعة للحرس الثوري، العاملة في نطاق سيطرتها، أعمال إعادة تأهيل المدرج الرئيسي للهبوط في مطار صنعاء الدولي، وذلك بعد يومين من قصفه بسلاح الجو التابع للقوات اليمنية المدعومة دوليًا، لمنع هبوط طائرة تابعة للحرس الثوري الإيراني في 13 يوليو الجاري.
وأعلنت العصابة الإيرانية، عبر مدير مطار صنعاء التابع لها، جاهزية المطار لاستقبال الرحلات ابتداءً من يوم غد الخميس، في إشارة إلى تصعيد جديد بشأن استقبال رحلات إيرانية مخالفة لقواعد الطيران المدني وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، واختراقًا للسيادة اليمنية.
وكانت الشرعية اليمنية المعترف بها دوليًا قد أعلنت، في اجتماع لمجلس الدفاع الوطني فجر الاثنين، انتهاء أي عملية اختراق للأجواء اليمنية أو هبوط أي طائرة إيرانية أخرى في المطارات اليمنية، مؤكدة أنه لن يُسمح بعودة أو هبوط أي طائرة إيرانية في الأراضي اليمنية على الإطلاق، وأنه سيتم التصدي بقوة لأي محاولة لاختراق السيادة الوطنية.
إلى ذلك، أكد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد اليمنية، الكابتن صالح بن نهيد، في تصريح صحفي اليوم، أن استمرار وجود مركز الملاحة الجوية في صنعاء خارج سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا يعد تحديًا للسيادة، واصفًا إياه بالوضع "الشاذ والمؤقت" الذي يعرقل تطوير قطاع الطيران المدني.
وأشار إلى أن نقل مركز الملاحة الجوية وإدارته بالكامل لا يمثل قرارًا إداريًا بسيطًا، بل عملية فنية وهندسية معقدة ترتبط باشتراطات منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو)، لافتًا إلى أن الأجواء اليمنية مغلقة منذ عام 2015، وأن الرحلات الجوية تتم بموجب تصاريح مسبقة وفق القرارات الدولية.
تحولات جوية مقلقة
في الأثناء، تشير البيانات الملاحية الصادرة ضمن نظام الإخطار الملاحي الدولي (NOTAM) إلى تطور لافت في إدارة منطقة معلومات الطيران صنعاء (Sana’a FIR – OYSC)، يتمثل في تفويض جزئي ومؤقت لبعض مهام خدمات الملاحة الجوية إلى مركز المراقبة الجوية في مسقط، في خطوة تُعد من أبرز المتغيرات التي طرأت على إدارة المجال الجوي اليمني خلال الفترة الأخيرة.
ورغم تقديم هذا الإجراء باعتباره ترتيبًا تشغيليًا ذا طبيعة فنية، فإن قراءته في سياق التطورات الميدانية والسياسية تثير تساؤلات واسعة بشأن مستقبل إدارة المجال الجوي اليمني، وانعكاساته على السيادة الوطنية وآليات إدارة أحد أكثر القطاعات حساسية في البلاد.
وتفيد المعلومات المقتبسة من إخطار ملاحي صادر عن منظمة الطيران المدني الدولي تحت الرقم (A0041/25 - OYSC)، والصادر بتاريخ 31 ديسمبر 2025 عند الساعة 17:38 بالتوقيت العالمي، بأنه تم تفويض خدمات الحركة الجوية (ATS) وخدمات معلومات الطيران (FIS) وخدمات الإنذار على أجزاء من الممر الجوي (L425) والممر الجوي (N315) داخل منطقة (Sana’a FIR – OYSC) إلى مركز المراقبة الجوية في مسقط (Muscat ACC)، إذ يمتد سريان هذا القرار حتى 31 ديسمبر 2026.
تحذيرات أوروبية
على الصعيد ذاته، أصدرت وكالة سلامة الطيران الأوروبية تحديثًا لنشرة مناطق النزاعات الجوية الخاصة باليمن، مددت بموجبه تحذيراتها المتعلقة بالطيران داخل منطقة معلومات الطيران صنعاء حتى 31 أكتوبر 2026، مؤكدة استمرار تصنيف الأجواء اليمنية ضمن البيئات الجوية مرتفعة المخاطر.
وتعكس هذه التقييمات استمرار المخاوف الدولية المرتبطة بالسلامة الجوية في اليمن، الأمر الذي دفع العديد من سلطات الطيران المدني إلى إصدار تعليمات إضافية لمشغليها.
وفي هذا الإطار، أصدرت سلطة الطيران المدني الإيطالية إخطارًا ملاحيًا يحمل الرقم (LIRR E1450/26) بتاريخ 8 يونيو 2026، يسري حتى 5 سبتمبر 2026، أوصت فيه جميع شركات الطيران الإيطالية بتجنب تنفيذ أو التخطيط لأي عمليات طيران داخل منطقة (Sana’a FIR – OYSC) وجنوب البحر الأحمر وعلى جميع الارتفاعات، مع ضرورة إجراء تقييمات مستقلة للمخاطر والالتزام الكامل بتوصيات وكالة سلامة الطيران الأوروبية.
بين صنعاء ومسقط
وكشفت وثائق ملاحية صادرة عن منظمة الطيران المدني الدولي أن الهيكل الفني لمنظومة الملاحة الجوية اليمنية لا يزال يتضمن مركز صنعاء ضمن شبكات الاتصال الدولية الخاصة بإدارة الحركة الجوية.
وتشير الوثائق إلى استمرار إدراج عدد من مسؤولي سلطة الطيران المدني والأرصاد العاملين في صنعاء ضمن قواعد بيانات الاتصال الرسمية المعتمدة لدى المنظمة، بما يؤكد أن المركز لا يزال جزءًا من الهيكل الفني الدولي للملاحة الجوية، رغم نقل جزء من مسؤولياته التشغيلية إلى مركز المراقبة الجوية في مسقط.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن المنظمة إلى استمرار اعتماد عدد من المسؤولين الفنيين في صنعاء ضمن قوائم الاتصال الخاصة بإدارة الملاحة الجوية، ومن أبرزهم أحمد القباطي بصفته خبيرًا في إدارة الحركة الجوية، ورشيد شمسان اليوسفي بصفته رئيس مركز مراقبة الحركة الجوية في صنعاء، وهو ما يعكس استمرار إدراج هذه الأسماء ضمن منظومة الملاحة الجوية الدولية، بالتوازي مع ترتيبات تشغيلية أُنيطت بمراكز إقليمية أخرى.
استغلال إيراني
وعلى ضوء تلك التطورات الأخيرة المتعلقة بنقل مركز المراقبة إلى مسقط، استغل النظام الإيراني، عبر ذراعه الحوثية في اليمن، هذا التطور لتسيير رحلات جوية بين طهران وصنعاء، في عمليات توصف بالمستفزة والمخترقة لقواعد المراقبة والمنع الدولي المفروض على الأجواء اليمنية.
وكشفت مصادر ملاحية أن الخطين الجويين اللذين تم نقل صلاحيتهما التشغيلية مؤخرًا من منطقة معلومات صنعاء إلى مركز المراقبة في مسقط (L425 وN315)، استُخدما بالفعل في تسيير الرحلات الإيرانية الأخيرة.
ويرى مراقبون ومختصون في شؤون الطيران وإدارة المخاطر أن تسيير رحلات مباشرة من هذا النوع إلى مطار صنعاء، في ظل استمرار القيود الدولية المفروضة على المجال الجوي اليمني الواقع تحت سيطرة الحوثيين، يسلط الضوء على التعقيدات التشغيلية والأمنية المرتبطة بإدارته، كما يعزز هذا الواقع أهمية وجود منظومة رقابة موحدة وفعالة على حركة الطيران المدني، خصوصًا مع استمرار الاعتماد على ترتيبات تشغيلية موزعة بين أكثر من مركز لإدارة الملاحة الجوية.
وحذروا من أن استمرار هذا النموذج المزدوج قد يفرض تحديات متزايدة أمام الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا فيما يتعلق بإعادة توحيد إدارة المجال الجوي تحت سلطة وطنية واحدة، خاصة إذا استمرت الترتيبات التشغيلية الحالية لفترات طويلة، إذ إن استمرار الاعتراف الفني بمركز صنعاء، بالتزامن مع نقل جزء من مهامه التشغيلية إلى مسقط وتسيير رحلات حساسة غير خاضعة للرقابة المركزية الموحدة، يكرس واقعًا معقدًا يهدد السيادة المؤسسية على هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي.
وفي المحصلة، تكشف الوثائق الملاحية الدولية أن ملف إدارة المجال الجوي اليمني دخل مرحلة جديدة تتسم بتداخل الأدوار بين المراكز التشغيلية الداخلية والخارجية، وسط استمرار القيود الدولية على الطيران فوق اليمن، واستمرار اعتماد بعض البنى الفنية القائمة داخل صنعاء.