اليمن.. حين يعترف الحوثي بجريمته
مآسينا كوطن مستباح هي في الحقيقة حصيلة سنوات من التشظي والوهم السياسي، وذلك حين اصطدمت الوعود بواقعٍ مثقل بالدمار والشتات، فتحوَّل الواقع إلى مرآة كشفت حجم التشوه والانهيار الذي حاولت الشعارات الخادعة طويلًا إخفاءه. والكارثة الكبرى أن نشاهد الزيف يُقال على لسان من صنعوا تلك المآسي، ومن كانوا سببًا في هذا الواقع المهزوم والجريح.
فالمرء لا يحتاج إلى عبقرية سياسية ليكتشف حجم الكارثة التي حلت باليمن، بل يكفي فقط الإنصات إلى اعترافات قائد مليشيا الحوثي الارهابية عبد الملك الحوثي، الذي وجد نفسه بعد اثني عشر عاماً من الوعود الوردية والشعارات البراقة، واقفًا على أطلال بلد مزقته أوهامه، ليعترف بملء فيه أن الناس في مناطق سيطرته باتوا يبحثون عن قوتهم بين أوراق الشجر ويشحذون في الشوارع.
ذلك الاعتراف الفاضح الذي يمثل شهادة وفاة رسمية لمشروع الانقلاب وفشله الذريع في إدارة حياة البشر، بعد سنوات قضاها في خداع البسطاء بوعود خفض الأسعار وإعادة الكرامة، بينما الحقيقة الوحيدة التي كرسها هي محاولة فرض حكم السلالة والعمامة الإثنى عشرية بالقوة، على حساب الدولة والجمهورية وحق اليمنيين في حياة كريمة ومستقبل آمن.
إن اليمن يمر اليوم بمرحلة تاريخية بالغة الدقة، حيث يظل المواطن اليمني في تلك المناطق المنكوبة بالمليشيات هو الضحية الأولى والوحيدة لانقلاب دمر مقومات الحياة وفاقم معاناة ملايين الأسر، وسط واقع ينذر بخطر حقيقي يهدد الهوية الوطنية من خلال ممارسات قمعية ممنهجة شملت تكميم الأفواه والاختطافات والاعتقالات التعسفية للمواطنين وللصحفيين والناشطين، وصولاً إلى اختطاف موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية لأكثر من عامين في خطوة تعكس عزلة هذه الجماعة وضيقها بالقانون الدولي.
ويتجلى هذا الفشل المأساوي في عمليات التجريف المنظم لقطاعات التعليم والإعلام، والاقتصاد وهي محاولات يائسة لإفقار اليمنيين في مناطق سيطرته و فرض أيديولوجية سلالية طائفية غريبة على المجتمع اليمني وعاداته وقيمه الأخلاقية والإنسانية، ومصادرة القرار الوطني المستقل لصالح حسابات إقليمية تخدم مشاريع الفوضى الإيرانية، حيث تسعى المليشيا باستمرار إلى تصدير أزماتها والهروب من استحقاقات الفشل الإداري والمعيشي عبر افتعال معارك خارجية تمثل غطاءً مفضوحاً لتنفيذ أجندة طهران التوسعية وجر المنطقة برمتها إلى حرب مدمرة تخدم مشروع ولاية الفقيه على حساب دماء اليمنيين.
أمام هذا الواقع المظلم، يصبح لزاماً على المجتمع في مناطق سيطرة المليشيات مواجهة هذا التجريف برفض تحويل مناطقهم إلى ساحة للصراعات الإقليمية، والتمسك بالمطالب المشروعة لإنهاء سياسات التجويع التمييز والوصاية، وهنا يبرز نداء الواجب والضمير الموجه إلى القبائل اليمنية باعتبارها صمام أمان هذا الوطن، وإلى كل أب وأم بأن لا يتركوا فلذات أكبادهم يساقون وقوداً لحروب عبثية ومحارق مستمرة لا تخدم ديناً ولا كرامة، فالنظام الجمهوري قام أساساً ليدفن عهود الاستعباد الطبقي ويصون حرية اليمني، والانحياز اليوم لمشروع الدولة والعدالة والمواطنة المتساوية هو حجر الزاوية لاسترداد الحقوق المسلوبة.
إن دحر هذا المشروع الطائفي يتطلب بالضرورة جعل المناطق المحررة نموذجاً جاذباً لسيادة القانون والحرية والتعددية، وتظافر الجهود الشعبية والرسمية لتحصين السلم الأهلي ورفض أي محاولات لشق الصف الوطني، مع الالتزام الصارم بمسار سياسي وعملي يعيد السيادة الكاملة لمؤسسات الدولة وفق المرجعيات المتفق عليها، المتمثلة في المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة وخاصة القرار ألفين ومائتين وستة عشر، مؤكدين أن الطريق الثابت نحو السلام المستدام يبدأ بتغليب المصلحة الوطنية العليا ونبذ خطاب الكراهية، والالتفاف حول راية الجمهورية اليمنية الخالدة لحماية الحاضر وبناء المستقبل بالحرية والعدالة والمساواة، لا بالخوف والقمع والجوع والاستبداد.