إنصاف ميسي...!
سألني صديق ذات مرّة: كيف تشجع ميسي والأرجنتين وأنت تحمل في عروقك عشقًا برازيليًا خالصًا؟
وكان جوابي له بسيطًا لا تعقيد فيه؛ فالمقاعد في قلوب العقلاء تتسع للجمال دون تعصب أعمى.
أنا لست مشجعًا متطرفًا، بل أنا عاشق لكرة القدم؛ أشجع البرازيل أولًا، وأحب الأرجنتين كذلك، وإذا ما تقابل العملاقان على المستطيل الأخضر، فمن الطبيعي والبديهي أن تذوب بوصلتي في حب السامبا البرازيلية.
والأمر الغريب الذي قد يدهش البعض أيضًا، هو أنني أشجع الريال والبارسا معًا في تآلف غريب.
أشجع النادي الملكي عندما يواجه كل أندية الدوري الإسباني، أو في ليالي دوري أبطال أوروبا، أو في غمار كأس العالم للأندية.
ولكن، عندما يدق جرس الكلاسيكو ويلعب الريال ضد البارسا، فإنني أستميت في تشجيع البلوغرانا، مدفوعًا بسحر خاص لا أقاومه.
لست من أولئك الذين يبنون تشجيعهم على النكاية، أو يناصرون ناديًا لمجرد أن الريال هو الخصم اللدود للبارسا؛ فالحب لا يولد من رحم الكراهية.
شجعت إسبانيا في أمم أوروبا، ويورو القارة العجوز، وفي محافل كأس العالم، ولكنني غدًا سأقف بقلبي مشجعًا للأرجنتين من أجل ميسي وحده، حتى وإن تجرع مرارة الهزيمة؛ فهكذا صيغت قناعتي وتشكّل وجداني الكروي.
إنني أشجع الأرجنتين ضد كل المنتخبات الأوروبية وغيرها، انحيازًا للتاريخ والإرث.
وعندما أخلع عباءة المشجع وأتعامل مع الأمر ككاتب، فلا مجال عندي للعاطفة الجارفة؛ لأن الحق أحق أن يُتبع، وأجدر بأن يُقال بملء الفم.
لماذا نغالط الحقيقة الساطعة كالشمس، أو نحاول تزييف ملامحها الجميلة؟
إن الأشياء التي لا تتكرر، أو تكون نادرة الحدوث في العمر مرة، أو تأتي كفلتات من زمان شحيح، يجب أن نقرّ بها وننحني لإبداعها، حتى لا نبدو في عيون الحقيقة سذجًا، أو أغبياء، أو ناقصي وعي ومعرفة وعقل.
فالإنسان العاقل والحكيم هو من يشهد بالحق لكل ما هو مائز ومتميز، حتى وإن كان هذا المتميز خصمًا له أو لا يروق لمزاجه الشخصي.
أنا برازيلي الهوى، وعندما كان رونالدو "الظاهرة" في أوج عطائه يجلب الفرح للملايين، كنت أراه الأفضل بلا منازع، وأفضله على أبناء جيله العظماء كزيدان، وفيغو، وديفيد بيكهام وغيرهم.
وقبله، كنت أرى في الأسطورة روماريو ساحرًا لا يُشق له غبار.
ولولا الإصابات اللعينة والطعنات التي طالت جسد رونالدو نازاريو، لكان بلا شك أفضل من ميسي، ولكن تلك الإصابات حالت بينه وبين تحقيق كرات ذهبية وبطولات محلية وقارية تليق بحجم موهبته الإنسانية الفذة.
وعندما بزغت نجومية رونالدينيو، لم ترَ عيني مثيلًا له في نثر البهجة، وربما كان أفضل من ميسي في فنيات المراوغة وفي منحنا الإمتاع الكروي الخالص، لكنه للأسف ظلم نفسه وظلم موهبته بسلوكياته المستهترة، حتى قلّ عطاؤه وانطفأت إنجازاته مبكرًا.
ومارادونا كذلك، ذلك العبقري المتمرد، تفوق على بني جيله ومعاصريه كزيكو، وسقراط، وبلاتيني، ورود خوليت، وباجيو، ومع ذلك، فإن تقلبات سلوكه الشخصي حرمتنا من مشاهدة إنجازات أكثر، وأهداف أبهى.
وهنا تتدخل العقلانية والمنطق الإنساني لتقول: إن ميسي لم يكن ليحقق كل تلك الأمجاد والإنجازات التاريخية لو أنه سار على نهج مارادونا، أو رونالدينيو، أو روماريو في دروب الحياة الوعرة.
ميسي هو النموذج الحي للاعب الموهوب الذي لم يتكل على الفطرة، بل صقل موهبته بالالتزام والدراسة في أكاديمية "لاماسيا"، ثم عبر الاستفادة الواعية من مهارات وخبرات كل العظماء الذين سبقوه.
لقد حافظ على جسده وروحه بعيدًا عن مستنقعات المخدرات، وارتياد الملاهي، والسهرات الليلية الصاخبة، والخمور، ومغريات الشهرة السريعة مع ملكات الجمال ومشاهير النساء، وهو في هذا الانضباط الأخلاقي يتشابه بعمق مع كريستيانو رونالدو.
ولذلك، فإن هذا الثنائي الاستثنائي حقق من البطولات الجماعية والألقاب الفردية ما لم يسبقهما إليه أحد في تاريخ اللعبة المعاصر.
وعندما نضع الاثنين في ميزان المفاضلة، يقول العقل والإنصاف إن أفضلية ميسي تنبع من تفوقه في لغة الأرقام؛ بالفوز بالدوريات أكثر، وبالكرات الذهبية أكثر، وبتاج كأس العالم الغالي.
ومن ناحية أخرى، تتجلى عبقريته في أساليب لعبه الشمولية التي تقوم على إجادة اللعب في أكثر من مركز، وتواجده المؤثر عند احتدام وطأة المباريات؛ فتراه مساندًا في الدفاع، وميزانًا في الوسط، وسهمًا في الأجنحة، وقائدًا في الهجوم.
وخاصة عندما يشتد الحصار حوله، فإنه يتحول بلمحة عين إلى صانع ألعاب ملهم، وهي أساليب ومرونة تكتيكية كثيرًا ما أهملها كريستيانو رونالدو في مسيرته.
ومن ناحية ثالثة، يتفوق ميسي بشجاعته الصامتة، وعدم سماحه لليأس بأن يتسلل إلى روحه، فتراه يقاتل ويسعى حتى الثواني الأخيرة من عمر المباراة، مستخدمًا عقله الفذ في قراءة الملعب وتفكيك نقاط ضعف الخصوم.
إن ما يمكن أن يُقال، وسيُقال مستقبلًا عن هذا اللاعب، هو بحر لا ضفاف له.
ولا أقوى إنصافًا من ذلك الإنصاف الذي كثيرًا ما كرره وأكّد عليه المعنيون باللعبة؛ كأشهر مدربي كرة القدم، وأبرز لاعبي المستديرة ممن لعبوا معه أو ضده، ومن اعتزلوا أو ما زالوا يركضون في الملاعب، ناهيك عن النقاد والصحفيين وأصحاب الفكر والثقافة.
هذه الحقائق الإنسانية والفنية تجبر كل ذي عقل على الإنصاف والوقوف إجلالًا للموهبة الحقيقية.
الإنصاف يا أخي العزيز هو ميزان القلوب النظيفة؛ فدعك مما تروّج له أبواق "البروباغندا" الزائفة، تلك التي لا تستقيم مع العقل والمنطق، وتكذبها شواهد الحقائق والوقائع على أرض الواقع.