صنعاء.. الموت الصامت خلف الأبواب المغلقة

منذ 21 ساعة
مشاركة الخبر:

ليس أقسى من الجوع إلا أن تُجبر على إخفائه، وليس أشد مرارة من الفقر إلا أن يصبح الحديث عنه تهمة تستحق العقاب.
هكذا تبدو اليوم المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الارهابية؛ مناطق يخيم عليها صمت ثقيل، يختلط فيه الخوف بالقهر، حتى باتت الشكوى نفسها فعلًا محفوفًا بالمخاطر. 
وفي ظل هذا الواقع، يفرض القانون الغاب سلطته على الجميع، لكنه نافذ بقوة الحديد والنار، وخلاصته المريرة: "عِش جائعًا، مُت قهرًا، وإياك أن تشتكي".
حين تطأ قدماك شوارع العاصمة التاريخية، لن تخطئ عينك ملامح البؤس التي حُفرت عميقًا في وجوه المارة؛ وجوه شاحبة، وأجساد أنهكها الفقر، وعيون مطفأة يملؤها انكسار لا يليق بكرامة الإنسان اليمني. غير أن المفارقة الأكثر إيلامًا هي أن هذا الجوع الذي ينهش الأحشاء ويفتك بالبطون، يُجبر صاحبه على كتمانه ومواراته؛ فالجهر بالحاجة في مناطق سيطرة عصابة الحوثي لم يعد صرخة استغاثة إنسانية مشروعة، بل أضحى "جريمة سياسية" وتهمة خيانة تقود صاحبها إلى غياهب الزنازين.
إن قراءة هذا المشهد القاتم  تكشف عن عملية تركيع وإخضاع ممنهجة؛ حيث يعيش المواطن بين فكي كماشة لا ترحم: فقر مدقع فرضته الإتاوات والجبايات الحوثية التي لا تستثني حتى الباعة المتجولين، ونهب كامل للمرتبات ومصادر الدخل منذ سنوات، يقابله بطش أمني لا يرحم. لقد تحولت لقمة العيش إلى أداة للهيمنة، يُحرم فيها المواطن من أبسط حقوقه، ويُطلب منه في الوقت ذاته أن يسبّح بحمد جلاده. فإذا ما تجرأ أحدهم وتحدث عن جنون الأسعار، أو طالب براتبه المنهوب، أو وصف حال أطفاله الذين يبيتون على الطوى، كان مصيره زوار الفجر، والاختطاف القسري، والزج به في السجون.
وخلف الجدران الصامتة، تنزف الإنسانية في صنعاء ومحيطها؛ فهناك عائلات كانت حتى وقت قريب تنتمي إلى الطبقة المتوسطة المستورة، باتت اليوم تبحث عن قوت يومها بين أكوام القمامة، أو تنتظر مساعدات إغاثية يُتلاعب بها وتُوزع وفقًا لمعايير الولاء لا الحاجة. والمأساة الحقيقية لا تكمن في الجوع وحده، بل في إرغام الضحية على ابتلاع صرختها، وأن يشاهد الأب أو الأم أبناءه يذبلون أمام أعينهم، بينما يضطرون إلى إظهار الرضا أمام المشرف الحوثي اتقاءً لبطشه ونكاله.
هذا القهر النفسي والجسدي المركب تجاوز حدود المعاناة المعيشية، ليصبح مأساة إنسانية وأخلاقية متكاملة. فالمسألة لم تعد مجرد حرب أو نزاع سياسي، بل واقع تُدار فيه حياة الناس بمنطق التجويع والإخضاع والارهاب، فيما تُبنى ثروات قادة المليشيا على حساب لقمة المواطن وكرامته، ويُغرق الناس بشعارات الصبر والصمود، بينما يعيش أصحابها في رخاء باذخ يثير السخط والاستفزاز.
إن توثيق هذا الواقع ليس مجرد عمل صحفي، بل شهادة للتاريخ على واحدة من أبشع صور الاستبداد والإذلال في العصر الحديث. فاليمنيون في مناطق سيطرة عصابة الحوثي لا يعانون شح الغذاء والدواء فحسب، بل يعيشون أيضًا تحت وطأة الخوف وانعدام الأمان، حتى غدت صنعاء مدينة يسكنها الصمت أكثر مما يسكنها الناس. غير أن التاريخ يعلمنا أن الصمت الذي تفرضه القوة ليس أبديًا، وأن الجوع والظلم لا يمكن دفنهما خلف أسوار الخوف إلى ما لا نهاية. وستظل دموع الأمهات، وأنين الجوعى، ودعوات الآباء العاجزين، شاهدة على هذه المرحلة، إلى أن تستعيد اليمن عافيتها، ويستعيد الإنسان اليمني حقه في الحياة الكريمة، وفي أن يقول كلمته بحرية، دون أن يخشى أن تكون آخر ما ينطق به.