الدولة مجرد هيكل عظمي وديدان الفساد يتقاسمون كعكة الوطن
في عالم الإدارة الحديثة، تتباهى الأمم بمقاييس الجودة الشاملة، ومؤشرات الأداء، والحوكمة الرشيدة. أما في جمهوريتنا السعيدة ذات الطبعة "الشرعية"، فالمقاييس عتيقة وذات نكهة خاصة؛ إذ لا يُقاس وزن المسؤول بمدى كفاءته في بناء المؤسسات، بل بوزن "الجبايات" التي يجود بها، وبمدى طواعيته الفولاذية ليكون مجرد صدى صوتي لوليّ النعم. هنا يتحول الكرسي الوظيفي من منصة لخدمة الشعب إلى "إقطاعية" شخصية، وتغدو الكفاءة تهمة جنائية تستوجب الاعتقال الإداري أو النفي خارج حدود العقل!
كتالوج اختيار "المسؤول الإمعة"
صناعة الإمعة ليست ولادة عشوائية، بل هي هندسة دقيقة تتطلب شروطاً بيولوجية ونفسية محددة بعناية فائقة لضمان عدم حدوث أي "التماس عصبي" مع الضمير. وأهم هذه الشروط:
مبدأ الهشاشة المعيارية:
يُشترط ألا يمتلك المرشح أي تاريخ علمي أو أخلاقي يزعجه في منتصف الليل.
الشخص الذي يعاني من أزمة ثقة حادة هو الخيار المثالي؛ فهو يعلم يقيناً أنه لولا معجزة الواسطة لما رأى هذا الكرسي، ولذلك سيظل خائفاً، مرتجفاً، وممتناً للأبد لمن نصّبه.
تعطيل جهاز "النقاش":
الكفاءة الوحيدة المطلوبة هي القدرة على تحويل الوزارات والهيئات إلى "نقاط جباية" ذكية.
المسؤول الناجح هو الذي يتقن فن السكوت المطبق عند ارتكاب الخروقات، والإنصات الصاغي للتعليمات العابرة للحدود والقوانين.
امتلاك سيكولوجيا "الغفير":
الغفير ليس مجرد حارس بوابة، بل هو فلسفة حكم متكاملة، تعتمد على العضلات الذهنية في جمع الأموال، والعمى التام عما يُنهب خلف الستار.
ويُمنح المسؤول الهش صلاحيات مطلقة لجني الأموال والاستحواذ، شريطة أن يمتلك بصيرة نافذة تجاه الصفقات المشبوهة؛ أي بصيرة عمياء لا ترى إلا ما يريده الآمر الناهي!
تهمة "النزاهة"
في البيئة المأزومة للشرعية المزعومة، تُعامل النزاهة معاملة "الفيروس القاتل" الذي يهدد استقرار منظومة الفساد؛ ولذلك وُضعت بروتوكولات حاسمة للتعامل مع أي كائن سوي يحاول تذكير الدولة بقوانينها.
فإذا أصر القدر على إيصال شخصية نزيهة إلى موقع قيادي نتيجة ضغط جماهيري أو صدفة تاريخية، فلا تقلق المنظومة أبداً؛ بل تلجأ إلى "هندسة التفريغ الرمادي". فيُجرَّد المنصب من جميع صلاحياته الفعلية، وتُمرَّر القرارات المالية والإدارية من خلف ظهره عبر طابور خامس من الوكلاء والأتباع الصغار الذين ينفذون التعليمات المباشرة دون إزعاج الضمير.
وإن أظهر هذا المسؤول العنيد شجاعة أخلاقية ورفض التوقيع على صفقات العار، يُصار فوراً إلى تصنيفه في خانة التهم الجاهزة:
شخصية صدامية.
غير مرن؛ أي يمتلك عموداً فقرياً صلباً يعطل انحناءات الصفقات.
يعطل المصلحة العامة، والمقصود بالمصلحة العامة هنا مصلحة الشلة النافذة حصراً.
جمهورية اللاشيء
بهذه المنهجية العبقرية، نجحت السلطة في إدارة مناطق سيطرتها بعقلية لا تختلف كثيراً عن عقلية المليشيات الانقلابية التي تحاربها ظاهراً وتتناغم معها باطناً. استُبدل رجل الدولة الذي يحمي القانون بـ"منفذ أعمى" يحمي أصحاب النفوذ، وباتت الدولة مجرد هيكل عظمي باهت، تُمارس فيه سيكولوجيا الغفير بأبهى تجلياتها، ليجلس الإمعة على عرش الوهم، بينما تتقاسم كعكة الوطن ديدان الفساد في أمان تام.