مظاهر التمييز والتفرقة والعنصرية الوظيفية المقيتة .. إلى متى تستمر معاناة الموظفين النازحين؟

مظاهر التمييز والتفرقة والعنصرية الوظيفية المقيتة .. إلى متى تستمر معاناة الموظفين النازحين؟
مشاركة الخبر:

حين يفني الإنسان زهرة عمره، وثلاثة عقود أو يزيد، في خدمة مؤسسات الدولة، متسلحًا بالكفاءة والأمانة والإخلاص، فإنه ينتظر في خريف العمر استقرارًا معيشيًا يحفظ له كرامته الإنسانية. غير أن الواقع الذي يعيشه آلاف الموظفين اليمنيين الذين أُطلق عليهم وصف "النازحين" يروي حكاية مأساوية أخرى؛ حكاية ترسمها أروقة البيروقراطية المتعفنة، وتمارس فيها أساليب التجويع الممنهج وتأخير المستحقات لأشهر طويلة، في مفارقة صارخة مع فئات أخرى تنعم بامتيازات مالية منتظمة ودون عناء.
يفتح هذا التقرير الملف الأسود لمعاناة الموظفين النازحين، ويسلط الضوء على جذور الأزمة، والتمييز الإداري، والصرخة الحقوقية المطالبة بإنصاف هذه الكوادر.

جذور الأزمة وخلفيتها الواقعية
تُعد شريحة "الموظفين النازحين" العمود الفقري للإدارة العامة والخبرات المؤسسية التي اضطرتها ظروف الحرب والانقلاب إلى مغادرة مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، بحثًا عن بيئة عمل تحتكم إلى الشرعية والدستور. غير أن هذه الكوادر اصطدمت بواقع مرير تمثل في:
التهميش الإداري: التعامل معهم كأرقام هامشية، لا كخبرات وطنية نادرة.

التعطيل المتعمد للمرتبات: تحويل عملية الصرف الدورية إلى معركة إنهاك نفسي ومادي تمتد لأكثر من ثمانية أشهر، دون مسوغ قانوني أو إداري مقبول.
واقع مالي لا يوصف إلا بأنه مذل
لا تقتصر المأساة على التأخير المستمر، بل تمتد إلى هزالة المبالغ المرصودة، التي لا تسد رمقًا ولا تواكب أبسط متطلبات العيش الكريم، في ظل تدهور سعر الصرف والارتفاع الجنوني للأسعار.
سقف الدخل المتدني: تشير البيانات إلى أن أعلى راتب شهري في هذه الفئة لا يتجاوز 300 ريال سعودي، بينما تتقاضى الغالبية الساحقة أقل من 200 ريال سعودي شهريًا.
مقارنة غير عادلة: في الوقت الذي تعاني فيه هذه الكوادر الأمرّين للحصول على هذه الفتات، بعد عناء ومراجعات واستجداء، تنعم فئات أخرى من أصحاب الإعاشات والامتيازات الخاصة بمرتبات ومستحقات تُصرف في مواعيدها بانتظام، بما يعكس بوضوح مظاهر التمييز والتفرقة والعنصرية الوظيفية المقيتة.

الحقوق تتحول إلى "مكرمة"
تتولى جهات حكومية في الشرعية إدارة هذا الملف بمنطق الإقصاء والتحكم، حيث يُعامل الحق القانوني الثابت للموظف وكأنه "هبة" أو "منّة" من قيادات إدارية تنصلت من مسؤولياتها الأخلاقية والوطنية، وكأن الموظف الذي خدم الوطن لعقود بات مطالبًا باستجداء حقه المشروع.
ويهدف هذا النهج الإداري الفاسد، في المقام الأول، إلى استنزاف طاقات الموظف وإشغاله بتأمين قوت يومه، بما يصرفه عن دوره الرقابي والمجتمعي.

التوصيات والمطالب الملحة
يخلص هذا التقرير إلى ضرورة التحرك العاجل على عدة أصعدة، أبرزها:
صدور توجيهات مباشرة من رئيس مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء في الحكومة الشرعية بصرف المرتبات المتأخرة لثمانية أشهر دفعة واحدة، والالتزام بعد ذلك بصرف مرتبات الموظفين النازحين شهريًا دون تأخير أو تسويف.
إعادة الاعتبار للكوادر التي أمضت أكثر من ثلاثة عقود في الخدمة العامة، ومعاملتها بما يليق بتاريخها وخبراتها.
إخضاع كشوفات الصرف للرقابة والتدقيق، لضمان وصول الحقوق إلى مستحقيها الفعليين، وإيقاف أي عبث أو استغلال يمارسه المنتفعون.