شرعية من الفنادق .. متى تنزل قيادة اليمن إلى الميدان؟
تتكرر هجمات مليشيا الحوثي الإرهابية على مأرب وحضرموت والضالع وتعز ومختلف المحافظات المحررة، فتسقط الدماء، وتتساقط معها آخر أدبيات الرصانة السياسية الصامتة، لتعيد هذه الجرائم إلى الواجهة سؤالًا لم يعد يحتمل الترف الفكري ولا التبرير الدبلوماسي حول مدى استيعاب السلطة الشرعية لجاهزيتها في خوض معركة استعادة الدولة، بدلًا من الاعتياش على إدارة ردود الأفعال وصياغة مفردات التنديد.
لقد تحولت هجمات مليشيا الحوثي في أروقة الشرعية إلى ما يشبه فقرة دورية في جدول الأعمال، حيث تُستنسخ البيانات الرسمية عقب كل كارثة ببراعة لغوية تتحدث عن اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة، حتى أضحت هذه العبارات مجرد أدعية رسمية تُتلى على أرواح الشهداء ثم تُطوى الصفحة.
المعضلة الأساسية اليوم ليست في امتلاك المليشيا المدعومة من طهران للصواريخ والطائرات المسيّرة، ولا في تدفق الخبراء الإيرانيين لنقل التكنولوجيا العسكرية وتطوير آليات الرصد والتخطيط، بل تكمن في الجسد المترهل للشرعية، وفي الغياب القسري أو الاختياري لقراراتها الميدانية الحازمة من أرض المعركة.
يفقد الحديث المتكرر عن أعلى درجات الجاهزية معناه الأخلاقي والعملياتي حين تستمر المعسكرات والمدن المحررة في استقبال الصواريخ والطائرات المسيّرة المفخخة، ويتساقط المرابطون في الجبهات دون استراتيجية ردع واضحة؛ فالجاهزية التي لا يراها العدو في ميدانه هي مجرد وهم يُباع للداخل النازف. وفي الوقت الذي تخوض فيه عصابة الحوثي حربها باعتبارها فعلًا ميدانيًا وتطبيقًا لفرض الوقائع الجغرافية، تخوضها الشرعية عبر المنصات والمؤتمرات الصحفية، حيث أضحت المقولات المستهلكة عن الرد في الزمان والمكان المناسبين اعترافًا ضمنيًا بالعجز، كونها منطقًا يُدار بين دول سيادية ولا يستقيم في مواجهة ميليشيا تمزق النسيج الوطني داخل الدولة الواحدة. إن سقوط الجنود في مختلف الجبهات ليس مجرد أرقام تُدرج في التقارير الدورية، فهؤلاء يدافعون عن مشروع جمهوري، والتأخر في تزويدهم بالمعدات، أو المماطلة في انتظام رواتبهم، أو تركهم مكشوفي الغطاء السياسي، يُعد خطيئة بحق مفهوم الدولة نفسه.
لقد بات على القيادة اليمنية أن تحسم موقفها بلا مواربة، فإما الذهاب نحو تسوية واضحة أو خوض معركة استعادة الدولة بلا تردّد، لأن البقاء في المساحة الرمادية وانتظار التصريحات المعسولة يمنح الخصم المزيد من الوقت لإعادة رسم معادلة القوة على الأرض، ولن تُقاس شرعية أي قيادة بعد اليوم بمدى مظلوميتها الدولية، بل بقدرتها على توحيد القرار السياسي والعسكري تحت قائد واحد وإرادة واحدة، إذ إن الدول لا تُدار باللجان والتسويف، بل تُستعاد بجرأة القرار والتواجد في مقدمة الصفوف. إن استمرار غياب القيادة الشرعية عن إدارة المعركة من داخل التراب الوطني لم يعد مجرد خطأ تكتيكي، بل خطيئة استراتيجية تُدفع فاتورتها من سيادة اليمن وأمن المنطقة بأسرها، والمطلوب اليوم ليس ردعًا بالمواقف، بل قرارًا واحدًا شجاعًا يمكّن الدولة من فرض حضورها قبل أن يفرض الميدان واقعًا لا ينفع معه بيان ولا ندم.