صواريخ العبث وباب المندب.. استعراضات وهمية على حساب بطون الجياع

صواريخ العبث وباب المندب.. استعراضات وهمية على حساب بطون الجياع
مشاركة الخبر:

في الوقت الذي كان فيه المواطن اليمني المسكين يتوسد أمنيته البسيطة بأن يصحو ليجد رغيف خبز لا ترتفع أسعار طحينه ببورصة الوهم، أو يرى بصيص أمل في راتب شهري مفقود منذ سنوات يعيل به أطفاله، قررت مليشيا الحوثي أن تسجل إنجازًا تاريخيًا كونيًا لا سابق له؛ وهو إطلاق خمسة صواريخ دفعة واحدة باتجاه باب المندب.
طبعًا، ليس لدعم القضية، ولا لإنزال المطر في مواسم الجفاف، بل من أجل "تحرير" أسماك البحر الأحمر وقناديله من هيمنة الإمبريالية العالمية!

استعراض عضلات فوق أشلاء الجياع
ما أجمل البطولة عندما تكون من خلف الشاشات، وأنت تجلس متمسكًا بكرسي الحكم، بينما الشعب يتقلب على جمر الغلاء والمرض والفقر!
أين البناء؟
البناء في قاموس هذه المليشيا هو هدم ما تبقى من البنية التحتية، وتجريف مؤسسات الدولة، وتوزيع صكوك الوطنية على من يجوع بصمت.
أين الرواتب؟
عيب يا أخي، تسأل عن الرواتب بينما السيادة الوطنية تُدافع عنها الصواريخ الباليستية وهي في طريقها للاستقرار في أعماق قاع البحر! فليجُع الشعب، طالما أن "السيد" يخطب فيهم عن العزة والكرامة وهم حفاة عراة.
هذه المليشيا (الباسلة) لا تكتفي بأن تترك الموظف بلا فلوس، والمعلم بلا راتب، والمريض بلا دواء، بل تأبى إلا أن تضمن ألا تمر شحنة إغاثة أو تجارة إلا ويتم توجيه صاروخ "مبارك" نحوها، لضمان بقاء المواطن اليمني في حالة تأهب قصوى دائمًا بين رعب القصف وقهر الجوع.
إنجازات استراتيجية لا تُنسى
منظومة التفكير لدى هذه المليشيا تقوم على قاعدة عبقرية: "إذا لم تستطع بناء حجرة واحدة، فقم بهدم مدينة كاملة، وإذا عجزت عن توفير لقمة عيش، ففرقع بصواريخك في الهواء لعل السماء تمطر شعارات!"

الأمن المنشود
تعمل المليشيا على ترويع الآمنين في منازلهم، وإرهاب الأطفال، وملء السجون بالمعارضين، ثم الخروج عبر مكبرات الصوت للحديث عن الصمود والمواجهة. أي صمود هذا الذي يجعل المواطن يهرب من وجه "حماة الديار" أنفسهم؟

الاقتصاد المزدهر
بعد إطلاق الصواريخ الخمسة، تأكد تمامًا أن أسعار الغذاء والدواء سترتفع أضعافًا مضاعفة، وأن شركات الشحن ستتجنب الموانئ، وهنا يكمن الذكاء الخارق للمليشيا؛ فهي تخلق الأزمة ثم تصرخ قائلة: "انظروا كيف يحاصرنا العالم!" وكأن الحصار الخارجي بحاجة إلى منافس محلي شرس يتولى إكمال المهمة بدقة.

الخاتمة:
عاشت المليشيا وعاش استعراضها العضلي الوهمي! فالشعب اليمني، الذي أكل حجر الأرض وشرب مرارة الصبر، عليه أن يصفق بحرارة لهذه الصواريخ التي لم تحرر شبرًا، بل حررت جيوب ما تبقى من بسطاء، وأضافت صفحة جديدة في سجل العبث المليشاوي الذي لا يتقن سوى فنون التدمير وابتكار طرق جديدة لتعذيب البشر.
في النهاية، يبدو المشهد اليمني قاتمًا وعبثيًا إلى حد تتقاطع فيه مآسي التاريخ مع كوميديا سوداء لا يكتب تفاصيلها إلا عقلية متحجرة لا تدرك معنى الدولة ولا تعبأ بكرامة الإنسان. إن إطلاق خمسة صواريخ باتجاه باب المندب ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الهستيريا الاستعراضية التي تمارسها مليشيا الحوثي، وهي تحاول عبثًا تعويض عجزها المدقع عن إدارة شؤون الحياة بأفخاخ إعلامية وصواريخ تُطلق في مهب الريح لتخيف أسماك البحر وتزيد من اختناق الشعب.
فبينما يتقلب الملايين من أبناء هذا الشعب على جمر الفقر المدقع، ويبحث الأب عن لقمة يسكت بها صراخ أطفاله الجياع، وتتضور أمهات اليمن وجعًا على غياب أبسط مقومات العيش، تخرج علينا هذه الجماعة المارقة لتحدثنا عن الصمود والسيادة، وكأن السيادة تُقاس بحجم الخراب الذي تلحقه بالمواطن، وكأن العزة تأتي من تجويع المعلم ونهب مرتبات الموظف وحرمان المريض من ثمن الدواء.
إنها معادلة شيطانية مقلوبة تمامًا؛ بناء مهدم، مؤسسات ممزقة، اقتصاد منهار، ومرتبات مفقودة منذ سنين طويلة، وفي المقابل ترسانة من الشعارات الخاوية والصواريخ التي لا تخدم سوى بقاء هذا الكابوس الجاثم على صدور اليمنيين.
وحين يتساءل المواطن المقهور: أين ذهبت أموال الدولة؟ وأين حقوقه المسلوبة؟ لا يأتيه الجواب سوى بدوي صاروخ جديد يضاعف من أسعار السلع، ويغلق أفق الحياة، ويطيل ليل المعاناة.
لتبقى هذه المليشيا سجلًا أسود ومخزيًا من العجز والتدمير الممنهج، يدرك كل يمني حر أن زوال هذا العبث هو البداية الوحيدة الممكنة لاستعادة الوطن، وبناء ما تهدم، وعودة الرواتب والكرامة المفقودة إلى أصحابها الحقيقيين الذين طال صبرهم فوق طاقة الجبال.