من يحمي البحر الأحمر؟ .. شهداء المقاومة الوطنية يسقطون وهم التحالفات
يتعرض البحر الأحمر، الذي يمثل الممر المائي الأهم للتجارة العالمية وشريان الحياة للاقتصاد الدولي، لتهديدات وجودية غير مسبوقة. تقود هذه التهديدات إيران عبر أذرعها ومليشياتها الحوثية، والتي تسعى جاهدة لتحويل هذا الممر الملاحي الحيوي إلى ساحة للابتزاز السياسي، وتصدير الفوضى، ومحاصرة حركة الملاحة الدولية. وفي قلب هذا الصراع المحتدم والمفتوح على كل الاحتمالات، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على كواليس السياسة وميادين الحرب: من يحمي البحر الأحمر حقًا؟ ومن يذود عن بواباته الاستراتيجية حين تتوارى القوى الكبرى؟
تثبت الأحداث والوقائع اليومية في مياه البحر الأحمر أن الحماية الحقيقية للمياه الإقليمية لا تأتي من البيانات السياسية المنمقة أو الإدانات الدولية الباردة، بل تصاغ بالدماء الغالية التي تسيل في عرض البحر. واليوم، وبكل فخر واعتزاز، تنعى بحرية المقاومة الوطنية أربعة من أبطالها الميامين الذين ارتقوا شهداء في معركة الشرف والكرامة.
لقد واجه هؤلاء الشهداء الأربعة ببسالة وصمود الأطماع التوسعية الإيرانية، وتصدوا بأجسادهم وثباتهم وإمكانيتهم للزوارق الانتحارية المفخخة والألغام البحرية المحرمة دوليًا التي تزرعها المليشيات بشكل عشوائي لزعزعة استقرار المنطقة وتدمير خطوط الملاحة.
إن رحيل هؤلاء الأبطال اليوم ليس مجرد رقم في سجل الحرب، بل هو توثيق حي لملحمة بطولية يخوضها رجال البحرية لحفظ كرامة الأرض والإنسان.
إن أبطال بحرية المقاومة الوطنية يقفون اليوم في خط الدفاع الأول والوحيد، حيث يخوضون خلف الأمواج المتلاطمة اشتباكات ضارية ومعارك استخباراتية وعسكرية معقدة. وإنهم يبذلون الغالي والنفيس لإحباط عمليات تهريب الأسلحة والصواريخ ومكونات الطائرات المسيّرة القادمة من الحرس الثوري الإيراني والموجهة لتدمير المنطقة.
المفارقة الكبرى هنا هي أن بحرية المقاومة الوطنية تقوم بهذه المهام الجسيمة والخطيرة نيابة عن العالم أجمع. إنها تحمي أمن الطاقات، وسلاسل الإمداد، وحرية حركة التجارة التي تعتمد عليها كبرى عواصم القرار الدولي، في وقت يكتفي فيه المجتمع الدولي بدور المراقب البعيد أو إصدار تقارير القلق.
يتصدر هؤلاء المقاتلون الأشاوس مواجهة المشروع الإيراني الخبيث بصدورهم وإمكانياتهم الذاتية، ليبرهنوا بدمائهم الزكية أن أمن البحر الأحمر لا يُصنع إلا بأيدي أصحابه الحقيقيين المرابطين على سواحله.
في المقابل، تتجلى بوضوح صارخ حقيقة "وهم التحالفات" الإقليمية والدولية؛ تلك التكتلات والأساطيل والبارجات الحربية التي تملأ الأفق ضجيجًا بشعارات "حماية الملاحة الدولية" وإرسال الحشود العسكرية الضخمة. ورغم هذه الاستعراضات العسكرية في المياه الدولية، إلا أن هذه التحالفات تظل عاجزة ومقيدة في اللحظات الحاسمة، وتتحرك فقط وفق بوصلة حساباتها السياسية الضيقة، وتوازنات القوى الكبرى، ومصالحها الانتخابية والاقتصادية الخاصة.
بينما يكتشف الجميع عمق الفجوة بين الواقع والمظلات الأمنية الخارجية الزائفة، تسقط الأقنعة لتكشف أن الرهان على حلفاء الخارج هو رهان على السراب. فالتحالفات التي تدعي الحماية لم تكن سوى وعود هشة لا تصمد أمام اختبار المصالح البراغماتية، وهي تترك القوى الوطنية المخلصة تواجه آلة الموت الإيرانية منفردة في عرض البحر.
إن دماء شهداء بحرية المقاومة الوطنية الأربعة الذين ارتقوا اليوم هي الشاهد الأبرز والأنصع على أن حماية البحر الأحمر ومضيق باب المندب تنبع فقط من عقيدة وطنية وطاردة للمشروع الإيراني ودخلاء المنطقة. ستبقى تضحيات هؤلاء الشهداء وبسالة رفاقهم هي الحقيقة الوحيدة الراسخة في الميدان، وسط ركام التحالفات الدولية الواهية التي تدعي الحماية ولا تقدم عند المنعطفات التاريخية سوى الوعود الزائفة.