بين مشروع الدولة و خطاب الانفصال.. ما الذي تبقى من المصداقية السياسية لمجلس القيادة المفكك؟

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

في هذا التوقيت المصيري الذي يمر به اليمن، وفي خضم المعركة مع مليشيا إيران الإرهابية، يصبح اللعب بمصيره خيانة للثقة قبل أن يكون خلافًا في السياسة. وفي لحظة ينتظر فيها اليمنيون قيادة توحّد صفوفهم في مواجهة الحوثي، يخرج صوت من داخل رأس الشرعية ليقرع جرس الخطر ويدعو للانقسام.. فهل نحن أمام مجلس قيادة للدولة، أم أمام مجلس يتنازع على ما تبقى منها؟ وهل نحن أمام مجلس للقيادة أم مجلس للانقسام؟
فقبل أيام شهدت اليمن تحركات لافتة، تجسدت في دعوات أطلقتها النخب السياسية والفعاليات الوطنية وتداعت لها جماهير عريضة، بهدف الالتفاف حول المشروع الجمهوري، وحماية وحدة البلاد، وتشكيل تحالف عريض يتجاوز مرارات الماضي لمواجهة الانقلاب الحوثي. وفي غمرة هذه اللحظة المفصلية، خرج علينا عبد الرحمن المحرمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، بتصريحات نسخت كل أمل، وصدمت الشارع، ووضعت مشروعية القيادة برمتها في مهب المساءلة الأخلاقية والسياسية.
ثمة لحظات تاريخية فارقة في حياة الأمم يصبح فيها الصمت تكلفة باهظة تتجاوز حدود الخطأ العابر، ويتحول الغموض فيها إلى مقامرة بليغة بالوطن، بل يتعداه ليكون التغاضي عن التناقضات نوعاً من المشاركة الفعلية في تصنيع الكارثة. ويبدو جلياً أن مجلس القيادة الرئاسي في اليمن قد وصل بالتمام والكمال إلى هذه النقطة الحرجة.
تخوض اليمن معركة مصيرية لاستعادة كيان الدولة المغصوب من مليشيا إرهابية طفيلية انقلبت على مؤسسات الجمهورية. وفي الوقت ذاته، تقف القيادة المفترض بها إدارة المعركة عاجزة عن الإجابة عن سؤال بسيط وبديهي: أي دولة يريد هذا المجلس استعادتها؟
لم يعد هذا السؤال ضرباً من الخيال التحليلي بعد حديث المحرمي العلني عن الاستمرار في بناء ما يسمى «الجيش الجنوبي» تمهيداً لـ «استعادة الدولة الجنوبية». إننا هنا لا نتعامل مع رأي شخصي يحتمل التجاوز؛ فالمحرمي ليس زعيماً هامشياً أو قائد فصيل يعزف خارج السرب الشرفي، بل هو عضو أصيل في أرفع هيئة تمثل رأس الشرعية اليمنية السياسية. وهذا التناقض الصارخ هو ما يمنح خطابه خطورة بالغة تجاوزت بمراحل أي أطروحة انفصالية قد يصدرها طرف يقف في الهامش خارج السلطة.
حين يطرح الخصم السياسي مشروع الانفصال، فإنه يمارس حقاً يقع تحت طائلة السجال السياسي المعتاد؛ قبولاً ورفضاً. أما حين يتسرب هذا الطرح من داخل الأروقة العالية للمؤسسة الرسمية، فإن التناقض ينتقل من مربع الاختلاف إلى مربع تفكيك السلطة لشرعيتها بنفسها. كيف يجرؤ مجلس على مطالبة الشعب بالالتفاف حوله لاستعادة دولة، بينما يسمح لأحد أعضائه بالتبشير بعقيدة عسكرية موازية لبناء دولة أخرى على أنقاضها؟
أي دولة ننتظر إذن؟
هذه ليست مجرد مناورة كلامية، بل هي جوهر الأزمة الوجودية. إن كانت الجمهورية اليمنية هي الدولة المعتمدة التي يمثلها المجلس، فإن تشكيل وحدات مسلحة تحمل عقيدة وسياسة تستهدف الاستيلاء على كيان آخر يقتضي حزماً وتوضيحاً لا صمتاً مريباً. وإن كان مشروع الانفصال هو الأجندة الحقيقية لأعضاء المجلس، فليعلنوا ذلك بشجاعة، وليتركوا لليمنيين معرفة الحقيقة الكلية، وهي أن السلطة المؤتمنة على استعادة الوطن لا تملك حتى رؤية موحدة للوطن الذي تريد استعادته!
أن يفيء الجميع تحت مظلة الشرعية، ويقتاتون من مكاسبها واعترافها الدولي، ثم ينقلب بعضهم من داخلها لبناء مشروع يجهز على وجودها، فذلك لا ينطوي على أي ذكاء سياسي؛ بل يمثل الوصفة الأكثر الانتحارية لتآكل الشرعية من داخلها.

والمفارقة المؤلمة أن هذه الشطحات العسكرية جاءت في وقت كان اليمن بأحوج ما يكون فيه إلى الصوت الجامع. فالأولويات الوطنية تلح على تمتين الوحدة، وترسيخ سيادة المؤسسات، وتوحيد الشتات المناهض للحوثي في جبهة واحدة. وكان المأمول أن يخرج العليمي ورفاقه بخطاب يضاهي هذه اللحظة، لكن الواقع أفرز مجدداً نغمة "الجيش الجنوبي"، لتضع المجلس أمام اتهام صريح: هل تعانون من عجز في الرؤية، أم من أزمة إفلاس في الصراحة؟
إن أسوأ ما يصيب السلطات ليس الاختلاف في التكتيك، بل التظاهر بالتوافق بينما تتحرك أطرافها في اتجاهات متضادة. يبدو مجلس القيادة الرئاسي في أغلب أوقاته كخلية اضطرارية جُمعت فيها القوى المتصارعة تحت سقف واحد. قد يُفهم ذلك في أرشيف المراحل الانتقالية، لكنه يتحول إلى خطر داهم حين تغدو الخلافات مشاريع تسلح مستقلة ورؤى متعارضة تصادر المستقبل. إن التعددية السياسية إثراء، أما تعدد مشاريع الدولة في رأس السلطة فهو شلل محقق.
وهنا تقع المسؤولية المباشرة على رئيس المجلس رشاد العليمي. لا يمكن للعليمي الاستمرار في غسل يديه والتعامل مع الكارثة كأنها زوبعة داخلية، لأن الأمر شق جدار الشرعية التي يرأسها. الصمت هنا أبعد ما يكون عن الحكمة؛ فحين يصرح عضو برئاسة الدولة بتشكيل "جيش جنوبي"، ولا يخرج رئيس المجلس ليضع حداً فاصلًا لهذا العبث، فإن الصمت يضعنا أمام فرضيات قاسية: إما أن رئيس المجلس يساق بلا فاعلية، أو أنه يخشى المواجهة، أو أن هذا الشلل بات الصيغة المعتمدة للحكم. وفي كل الأحوال، النتيجة هي انهيار كامل للمصداقية.
القيادة التي تجد صعوبة في ضبط مفهوم الدولة لا تملك الحق في دعوة الناس للموت من أجلها. والقوة الساعية لتحويل المظالم إلى وقود لحروب جديدة لن تجلب للجنوب إلا الدمار، فالمحافظات الجنوبية بحاجة إلى دولة القانون، والشراكة العادلة، والضمانات الحقيقية، وليس إعادة إنتاج عناوين الصراع العبثي.
وفي أوج هذا الشتات، تقبع مليشيا الحوثي في صنعاء تتفرج وتستثمر. أي عقيم سياسياً يعتقد أن الوقت مناسب لتفكيك جبهة الشرعية بينما العدو يتربص بالجميع؟ الحوثي لا يحتاج إلى ذكاء عالي، يكفيه مشاهدة خصومه وهم يجهزون على أنفسهم. كل تشكيل مسلّح خارج نطاق المؤسسة الرسمية هو هدية مجانية للانقلاب.
لقد حان الوقت ليفهم هذا المجلس المفكك أن الشرعية ليست درعاً لحماية المشاريع الضيقة. من أرد الانفصال فليطرحه سياسياً، ومن أراد الاتحاد فليدافع عنه بأدوات السياسة. أما استخدام أجهزة الدولة لبناء ميليشيات تفرض الأمر الواقع بقوة السلاح قبل التفاوض، فهو سلوك ينسخ مفهوم الدولة من أصله.
المواقف الكبرى تُختبر عندما تصبح كلفة اتخاذها مرتفعة، والقيادة تُعرف بقدرتها على مواجهة الحلفاء قبل الخصوم. إذا كان المجلس عاجزاً عن حماية مفهوم الدولة، فما الداعي لبقائه؟ وإذا احتفظ كل طرف بجيشه ومشروعه الخاص، فما الفرق بين مجلس قيادة الدولة وبين مجلس لإدارة الغنائم؟
الشرعية لا تسقط فقط بضياع الجغرافيا، بل تبدأ بالسقوط عندما تفقد معناها. واليوم يقف اليمن على شفير الهاوية لأن القيادة تتحول تدريجياً إلى غرفة لإدارة الصراع على الأنقاض. اليمن بحاجة إلى قيادة حازمة تخشى ضياع الوطن، لا قيادة تخشى غضب حلفائها. فإذا كانت الشرعية تقاتل الحوثي لتستعيد الدولة، ثم تسلّم رقبتها للمشاريع الموازية لتفكيكها، فأنها لم تفقد المعركة فحسب، بل فقدت مبرر وجودها الأخلاقي والسياسي، وساعتها لن يتساءل أحد عما قاله المحرمي، بل سيرثي الجميع ما تبقى من جنازة الشرعية.