ارتفاع عوائد السندات الفرنسية يضع المالية العامة أمام اختبار صعب
بلغت تكلفة اقتراض فرنسا مرحلة حرجة هذا الأسبوع، حيث تجاوز العائد على سنداتها لأجل 10 سنوات مستوى 4.27%، مقتربًا من أعلى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية، قبل أن يسجل تراجعًا طفيفًا. ورغم ارتباط ارتفاع عوائد السندات الأوروبية بعوامل خارجية، فإن الضغوط الخاصة بالمالية العامة الفرنسية باتت أكثر وضوحًا، في ظل عجز مرتفع ودين عام يتجاوز 115% من الناتج المحلي الإجمالي.
ترى آن-صوفي ألسيف، كبيرة الاقتصاديين في شركة بي دي أو فرانس، أن الخطر الأساسي بالنسبة لفرنسا لا يكمن فقط في ارتفاع أسعار الفائدة، وإنما في احتمال دخول الاقتصاد في «ركود تضخمي»، أي استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة بالتزامن مع ضعف النمو. وأضافت ألسيف أن النمو الضعيف، الذي قد يدور حول 0.6% أو 0.7%، يعني إيرادات ضريبية أقل، وبالتالي حاجة أكبر للاقتراض، في وقت تضطر فيه الدولة إلى الاقتراض بتكلفة أعلى، مما قد يدفع فرنسا إلى «حلقة مفرغة»: نمو ضعيف يؤدي إلى مزيد من الاستدانة، بينما تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة عبء الدين، بما يحد بدوره من قدرة الدولة على الاستثمار.
وتشير ألسيف إلى أن عبء خدمة الدين الفرنسي بلغ نحو 60 مليار يورو في عام 2025، وهو مستوى يمكن مقارنته بميزانية التعليم الوطني الفرنسي. وترى أن توجيه هذه الموارد لخدمة الدين يعني تقليص الأموال المتاحة لاستثمارات مستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي والتحول البيئي والطاقة. وتزداد حساسية الوضع مع احتياجات فرنسا التمويلية الكبيرة، فوفق وكالة فرنسا للخزانة، تخطط الدولة لإصدار نحو 310 مليارات يورو من الديون متوسطة وطويلة الأجل خلال عام 2026، بينما تقدر خدمة دين الدولة بنحو 59.3 مليار يورو.
ولا تقتصر المشكلة، بحسب ألسيف، على فرنسا وحدها؛ فقد ارتفعت عوائد السندات في أوروبا بفعل عوامل خارجية وجيوسياسية، وتجاوز العائد الألماني 3%، لكن فرنسا تواجه في الوقت نفسه عوامل داخلية تضيف ضغطًا على الأسواق. وتضيف ألسيف ضعف النمو وحالة الانتظار التي قد تسبق الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2027، إذ يمكن للشركات والمستثمرين تأجيل بعض قرارات الاستثمار في انتظار اتضاح اتجاه السياسة الاقتصادية المقبلة. كما تضاف إلى ذلك مخاوف المستثمرين من احتمال عدم امتلاك الرئيس المقبل أغلبية برلمانية، ما قد يجعل تنفيذ إصلاحات طويلة الأجل لضبط المالية العامة أكثر صعوبة.
وتقول ألسيف إن هذه المخاوف تسهم في رفع تكلفة الاقتراض الفرنسي، خصوصًا في ظل عجز يقترب من 5% من الناتج ودين يتجاوز 115%. لكنها تستبعد في الوقت الحالي سيناريو أزمة ديون فرنسية على غرار أزمة الديون السيادية الأوروبية في عام 2010، فالاتحاد النقدي الأوروبي يمتلك اليوم أدوات للتدخل، من بينها آلية الاستقرار الأوروبي، فيما يستطيع البنك المركزي الأوروبي التدخل عند الضرورة. وتشير إلى أن حجم الاقتصاد الفرنسي، باعتباره ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، يجعل من الصعب تركه يواجه أزمة تمويل حادة من دون تدخل أوروبي.
لكن التحذير الأهم، بحسب ألسيف، هو أن هذه الأدوات قد توفر حماية من أزمة مالية حادة، لكنها لا تحمي فرنسا من ارتفاع أسعار الفائدة نفسه. وهنا تكمن المشكلة الأساسية: فحتى من دون الوصول إلى أزمة ديون، يمكن لفترة طويلة من العوائد المرتفعة أن تجعل خدمة الدين أكثر تكلفة، وتضغط على الإنفاق والاستثمار، وتزيد صعوبة خفض العجز. وبالتالي، لا يتمثل الاختبار الذي تواجهه فرنسا حالياً في قدرتها على سداد ديونها فحسب، بل في قدرتها على تحقيق نمو كافٍ وضبط عجزها قبل أن تتحول تكلفة الاقتراض المرتفعة إلى عبء دائم على الاقتصاد.