الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المدفوعات: "ميسر" تراهن على الثقة والإمارات
تتجه صناعة المدفوعات نحو مرحلة جديدة تتجاوز مجرد سرعة إتمام المعاملات، مع ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على اتخاذ قرارات الشراء نيابة عن المستخدمين. يمثل هذا التحول تحدياً كبيراً للبنوك وشركات المدفوعات والجهات التنظيمية في إثبات هوية العميل وراء كل عملية. يؤكد باسم الجديع، الشريك المؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة "ميسر المالية"، أن بناء طبقة ثقة جديدة داخل منظومة المدفوعات هو المفتاح لربط طلب المستخدم الأصلي بالعمليات التي ينفذها وكيل الذكاء الاصطناعي.
في ظل سوق إقليمية تتسم بالمنافسة الشديدة، تعتمد "ميسر" على البنية التحتية كعنصر أساسي للتميز. تعمل الشركة على تطوير منظومة متكاملة لإدارة عمليات التقنية المالية، تشمل استقبال المدفوعات وتوزيعها، ورفع مستويات التوافر، وزيادة نسب قبول العمليات. تتضمن هذه المنظومة أيضاً منتجات مبتكرة، مثل نظام التوجيه الذكي للمدفوعات، الذي يهدف إلى تحسين كفاءة حركة العمليات عبر المسارات المثلى. تزداد أهمية هذه الأدوات مع تزايد حجم المعاملات، حيث لا يقتصر نجاح شركات المدفوعات على إتمام عملية واحدة، بل يقاس بقدرتها على إدارة عدد هائل من العمليات باستمرارية وكفاءة.
يصف الجديع "التجارة الوكيلة" بأنها مجال واعد يحظى باهتمام متزايد في السوق. وقد استثمرت "ميسر" في هذا المجال من خلال أنشطة البحث والتطوير، وعقدت مناقشات مع بنوك مركزية في المنطقة نظراً لحداثة هذا النموذج والحاجة إلى تطوير أطر تنظيمية داعمة. يكمن الفارق الأساسي في أن أنظمة المدفوعات الحالية تتعامل مع عمليات يبدأها العميل أو التاجر، بينما في التجارة الوكيلة، يتدخل طرف ثالث، وهو وكيل الذكاء الاصطناعي، للتصرف نيابة عن المستخدم.
لشرح آلية العمل، يقدم الجديع مثالاً لمستخدم يطلب من وكيل ذكاء اصطناعي البحث عن رحلة طيران وتنفيذ عملية الشراء ضمن حدود محددة. يمثل إثبات أن العملية تعكس طلب العميل تحدياً تقنياً. هنا تبرز أهمية ما يسميه الجديع "تفويض الدفع"، حيث يقوم المستخدم بإنشاء طلب مشفر يتضمن تفاصيل العملية والحدود المسموح بها لوكيل الذكاء الاصطناعي. يتم ربط هذا التفويض بعملية الدفع، ويُنشأ رمز دفع خاص بالوكيل مقيد بهذه الحدود. عند تنفيذ عملية الشراء، تنتقل بيانات التفويض معها، مما يسمح للبنك المصدر بالتحقق من نطاق الطلب الأصلي. في حال حدوث أخطاء أو "هلوسة" من الذكاء الاصطناعي، يتم حفظ التعليمات الأصلية للعميل وربطها بصورة مشفرة بعملية الدفع، مما يتيح للبنك مقارنة العملية بطلب المستخدم الأصلي عند وجود اعتراض.
في إطار هذا التوجه، أبرمت "ميسر" شراكة استراتيجية مع شركة "هيومين"، حيث تركز "هيومين" على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتنفيذ، بينما تضطلع "ميسر" بتوفير طبقة الثقة اللازمة للمدفوعات. يدرك الجديع أن حداثة هذه المنتجات تستدعي بحث الجهات التنظيمية والبنوك المركزية عن الأطر والتشريعات المناسبة. تمتد الشراكة لتشمل مجالات أوسع من المدفوعات، مما يجمع بين تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي والبنية المالية المنظمة.
على الصعيد الجغرافي، تخطط "ميسر" للتوسع في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث حصلت الشركة على موافقة مبدئية. يصف الجديع الإمارات بأنها "السوق الثانية" للشركة، معتبراً إياها امتداداً طبيعياً للشركات السعودية. يعتمد هذا القرار على نموذج عمل شركات المدفوعات الذي يتطلب اقتصاديات الحجم وزيادة السوق المستهدف لنمو العمليات. يمثل دخول الإمارات خطوة أساسية ضمن استراتيجية النمو، وتأتي بقية دول الخليج ضمن الخطط المستقبلية للشركة، مما يعكس مسارين متوازيين: توسيع البنية الجغرافية وتطوير البنية التقنية لمواكبة عصر الذكاء الاصطناعي، مع بقاء الثقة كحلقة مركزية في الإجابة عن السؤال الجوهري: من أصدر أمر الشراء فعلاً؟