يوميات الخوف .. شبح الموت
.ليس الخوف في بلادنا مجرد خوف من الموت الفجائي أو الرصاص الطائش، بل هو خوف يومي متخفٍ في تفاصيل البقاء الصغير؛ خوف على رغيف الخبز أن يغادر متناول اليد، وخوف على العملة المنهكة أن تتآكل بين الصباح والمساء كجبلِ ملحٍ يذوب في بحر، وخوف على ملامح الأطفال أن تُصاب بـ "الشيخوخة المبكرة" وهي تبصر الأسئلة الكبرى معلقة بلا جواب: لماذا نحترق بصمت؟ ولماذا يبدو العالم كبيراً وواسعاً، بينما تبدو جدران بيوتنا أضيق من سمّ الخياط؟
الموجع في تفاصيل هذا المشهد، ليس ضراوة الحرب وحدها، بل اعتيادنا المريب عليها. كيف تحول الموت إلى "خبر عاجل" يتجاوزه الإنسان ببرود وهو يحتسي قهوته ؟ وكيف أصبح العيش في مهب الريح هو القاعدة، وما عداه استثناءً نادراً؟
لقد تماهى المواطن مع أزماته حتى صار جزءاً من جغرافيا الخراب؛ يراقب الكهرباء وهي تغادر فتمحو وجوه الأحبة في العتمة، ويحسب أوقات الغاز كمن يعد أنفاسه الأخيرة، ويمشي في شوارع تئن تحت وطأة تركة ثقيلة من الشعارات الكبرى والجوع المقيم. وكأن قدّر اليمني أن يُحاكم أبدياً بتهمة الحياة في زمن سقطت فيه كل معايير العدالة الإنسانية.
في أزقة مدننا الحزينة، حيث تتكئ البيوت على بعضها البعض كأنها تستند إلى كتف مكسور، تتسلل حكايات المنسيين. هناك، لا تبحث الأمهات عن عناوين للقصائد، بل يبحثن عن وميض طمأنة في عيون أطفال لا يعرفون من العالم سوى صوت الرعد وصوت المدافع.
إنها المفارقة المأساوية العميقة: بلد يملك من التاريخ والحضارة ما يكفي لإنارة العالم، يُترك ليحترق في عتمة صراعات عبثية، بينما يقف العالم متفرّجاً على مسرحية دموية لا تنتهي فصولها.
غير أن الروح اليمنيّة، رغم شراسة المذبحة وطول ليلها، ترفض أن تستسلم تماماً لليأس الكامل. تتكئ على إرث طويل من الصبر، وتخلق من رحم المعاناة سخريةً مرّة، وبصيص أمل ضئيل يشبه العشب الذي ينشق عن صخرة صلبة.
فيا خُلاصة الوجع اليومي، ويا رفيق الدرب في ليالي اليمن الطويلة؛ أيها الخوف المتأصل في العظام: أما آن لك أن ترتّب حقائبك وتترك هذه الأرض لأهلها؟ أما حان للسلام أن يطرق الباب بدلاً من شبح الموت؟