من "إسقاط الجرعة " إلى إسقاط الدولة .. 21 سبتمبر و12 عاماً من كوارث عصابة الحوثي

من "إسقاط الجرعة " إلى إسقاط الدولة .. 21 سبتمبر و12 عاماً من كوارث عصابة الحوثي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

منذ اثني عشر عاماً، لم يتغير سعر الوقود في اليمن فحسب... بل تغيرت حياة بلد بأكمله.

في 21 سبتمبر/أيلول 2014، دخلت عصابة الحوثي العاصمة صنعاء وانقلبت على الدولة وسيطروا على مؤسساتها ومراكز القرار، تحت شعار إسقاط ما سمي حينها بـ«الجرعة» وحماية المواطن من ارتفاع أسعار المشتقات النفطية.

لكن ما بدأ بشعار اقتصادي انتهى بحرب مفتوحة، وانقسام للدولة، وانهيار للاقتصاد، وملايين اليمنيين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع لم يكن في حسبانهم.

كان اليمن عام 2014 يعيش أزمة سياسية واقتصادية عميقة، لكنه كان لا يزال يمتلك مؤسسات دولة واحدة، وجيشاً وأجهزة أمنية وميزانية عامة ورواتب منتظمة لموظفي الدولة.

بعد دخول الحوثيين صنعاء، تغير المشهد بصورة جذرية.
سيطرت العصابة على مؤسسات الدولة، وتوسعت عسكرياً إلى محافظات أخرى، قبل أن ينزلق اليمن إلى حرب شاملة في عام 2015.

ومنذ ذلك الحين، لم تعد الدولة تعمل باعتبارها منظومة واحدة.
انقسمت المؤسسات، وتعددت السلطات، وانقسم البنك المركزي، وتراجعت الإيرادات العامة، وأصبح الاقتصاد رهينة للصراع السياسي والعسكري.

الحرب التي بدأت تتسع بعد أحداث سبتمبر 2014 لم تتوقف بصورة نهائية حتى اليوم.

وخلال سنواتها، قتل وجرح الاف من المدنيين، ونزح ملايين اليمنيين، ودُمرت منازل ومنشآت عامة، وتعرضت طرق ومدارس ومستشفيات وشبكات مياه وكهرباء لأضرار واسعة.

وتقول الأمم المتحدة إن اليمن لا يزال يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فيما يحتاج ملايين السكان إلى المساعدات والحماية.

بالنسبة إلى اليمنيين، لم تعد الحرب خبراً على شاشات التلفزيون.
أصبحت راتباً لم يصل، ومدرسة أغلقت، وطريقاً قطع، ومريضاً لم يجد مستشفى، وأسرة غادر أحد أفرادها المنزل ولم يعد.

           
إنهيار الدولة
لم يكن انهيار الدولة مجرد فقدان السيطرة على المباني الحكومية.
فالدولة تعني راتب الموظف، والشرطة التي تحمي المواطن، والمدرسة التي تستقبل أبناءه، والمستشفى الذي يعالج مرضاه، والطريق الذي يربط مدينته ببقية البلاد.
ومع الحرب، تراجعت قدرة المؤسسات على أداء هذه الوظائف.
وتضررت قطاعات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، بينما أدى الانقسام السياسي والمالي إلى إضعاف الخدمات العامة بصورة غير مسبوقة.
ومن أكثر الملفات إيلاماً ملف رواتب موظفي الدولة.
فآلاف الموظفين وجدوا أنفسهم لسنوات أمام رواتب متوقفة بعد ان اقدمت عصابة الحوثي على قطعها ونهبتها لصالح مشاريعها الطائفية وتمريل حربها على اليمتيين ، في وقت رفعت فيه أسعار الغذاء والوقود والدواء .
الموظف الذي كان يعتمد على راتبه لإعالة أسرته أصبح يبحث عن مصدر دخل آخر، أو يعتمد على الأقارب والمساعدات، بينما تآكلت قيمة ما يتقاضاه من دخل بفعل انهيار العملة وارتفاع الأسعار.
وهكذا لم تعد أزمة الرواتب مشكلة مالية فحسب، بل تحولت إلى أزمة اجتماعية طالت ملايين اليمنيين.

الفقر والجوع
ومع انهيار الاقتصاد، اتسعت رقعة الفقر، وفقدت أسر كثيرة مصادر دخلها، وأغلقت أعمال، وتراجعت القدرة الشرائية، وارتفعت تكلفة الغذاء والدواء والنقل.
وفي بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات الإنسانية، أصبح تأمين وجبة يومية تحدياً حقيقياً بالنسبة إلى أسر كثيرة.
الجوع هنا ليس رقماً في تقرير أممي.
إنه طفل يذهب إلى النوم من دون عشاء، وأب عاجز عن شراء الدواء، وأم تقف أمام سوق لا تستطيع أسعارها شراء ما تحتاجه.

إقتصاد ممزق
اما الاقتصاد اليمني الذي كان يعاني أصلاً من مشكلات كبيرة قبل عام 2014، تعرض خلال سنوات الحرب لضربات متتالية.
توقف إنتاج وتصدير النفط في فترات، تراجعت الإيرادات، انقسمت المؤسسات المالية، وتدهورت قيمة العملة، بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية.
ويشير البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الحقيقي لليمن انكمش بنحو النصف خلال الفترة بين 2011 و2022، فيما تعرضت نسبة كبيرة من البنية التحتية المدنية للضرر أو الدمار.
لكن ربما تكون الكلفة الأكبر للحرب هي تلك التي لا تظهر بسهولة في أرقام الاقتصاد.
إنها جيل كامل من الأطفال الذين ولدوا في الحرب، وكبروا وسط أصوات القصف والحواجز والنزوح.
مدارس تضررت، ومعلمون واجهوا أزمة الرواتب، وأطفال تركوا التعليم بسبب الفقر أو النزوح.
وبينما تتحدث الأطراف عن السياسة والسلطة، يكبر جيل يمني كامل وهو يعرف الحرب أكثر مما يعرف الدولة.

واقع أكثر قسوة
في 2014، كان شعار الحوثيين إسقاط زيادة في أسعار الوقود.
بعد سنوات، أصبح اليمنيون أمام أزمة اقتصادية وإنسانية أكبر بكثير من تلك التي خرجت الجماعة للتنديد بها.
لم تسقط الأزمة الاقتصادية.
بل اتسعت.
ولم تنتهِ معاناة المواطن.
بل تحولت إلى واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.
أما الدولة التي كانت موحدة، فقد أصبحت مؤسساتها وسلطاتها واقتصادها منقسمين بين أطراف متعددة.
وهكذا مرّت اثنتا عشرة سنةً على 21 سبتمبر، وما زالت تداعيات ذلك اليوم حاضرة في حياة اليمنيين.
اثنا عشر عاماً تغيرت فيها أسماء كثيرة، وتبدلت خرائط السيطرة، وتوقفت معارك ثم عادت أخرى.
لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً: اليمنيون هم من دفعوا الكلفة الأكبر.
دولة تراجعت مؤسساتها، اقتصاد أنهكته الحرب، موظفون ينتظرون رواتبهم، أطفال حُرموا من التعليم، وأسر وجدت نفسها بين الفقر والنزوح والجوع.
في ذلك 21 سبتنبر 2014، دخل الحوثيون صنعاء وهم يتحدثون عن إنقاذ المواطن من «الجرعة».
وبعد أكثر من عقد، ما يزال اليمنيون يبحثون عن شيء أكبر بكثير من خفض سعر الوقود...
يبحثون عن دولة.
عن راتب.
عن مدرسة.
عن مستشفى.
عن طريق آمن.
وعن حياة طبيعية لم تعد تبدو مطلباً عادياً، بل حلماً مؤجلاً منذ ذلك اليوم.
21 سبتمبر لم يعد مجرد تاريخ في التقويم اليمني.
إنه تاريخ ترك وراءه بلداً ممزقاً، وجيلاً دفع ثمن حرب لم يخترها، وشعباً لا يزال ينتظر أن تستعيد اليمن دولتها... وحياتها.