تحت رماد الولاء الظاهري: صراع النفوذ والأموال يعصف بالقيادات الحوثية.
لم يعد التصدع داخل جماعة الحوثي سراً يُهمس به في المجالس المغلقة؛ فمع اشتداد الحصار العزلي وتقلص الموارد الاقتصادية، تحولت شعارات الولاء المطلق والجبهة الواحدة إلى رماد يغطي حرباً خفية شرسة تدور رحاها اليوم بين أجنحة الجماعة. لم تعد المعركة مع الخصوم التقليديين في الجبهات، بل أصبحت معركة كسر عظم بين أبناء الجماعة الواحدة، حيث يتصارع الجميع على المال، النفوذ، والمناصب.
لقد تجاوزت الخلافات بين أجنحة صعدة العقائدية والتقليدية وأجنحة صنعاء المتنفذة والمصلحية مرحلة التنافس السياسي أو الإداري، لتتحول إلى صراع وجودي محتدم. وتتمحور هذه المواجهة اليوم حول من يسيطر على إلايرادات، قطاعات الجمارك، الضرائب، والصفقات التجارية الكبرى. ومع انحسار المكاسب والمساعدات الخارجية، بدأت الجماعة تواجه الحقيقة الأزلية التي قالها العرب قديماً: "النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله".في هذا المشهد المتشظي، يسعى كل قيادي اليوم لبناء إقطاعيته الخاصة وتأمين مصالحه، بدءاً من السيطرة على النقطة الأمنية في الشارع وصولاً إلى الاستحواذ على مكاتب الإيرادات السيادية. ونتيجة لهذا الجشع، تصاعدت خلال الأشهر الماضية حملات الاعتقالات والاختفاءات القسرية المتبادلة، والتي طالت قيادات مالية وعسكرية بارزة داخل الهرم الحوثي. ورغم محاولات التغطية عليها وتغليفها بتهم "الفساد والخيانة"، إلا أن الحقيقة تشير إلى أنها ليست سوى عمليات تصفية حسابات صامتة وعنيفة بين أجنحة تتصارع على نفس الكعكة الآخذة في الانكماش.وإن التماسك الحديدي الذي تفاخرت به الجماعة الحوثيه لسنوات طويلة بدأ يتهاوى بشكل متسارع، مدفوعاً بتعدد الولاءات وتضارب الأجندات؛ حيث ينقسم المشهد الآن ما بين ولاء مطلق لإيران ومشاريعها الإقليمية، وولاء لقادة عسكريين وميدانيين، وولاءات قبلية ومناطقية ضيقة. هذا التشظي جعل القرار الحوثي لم يعد واحداً، والطاعة التي كانت تُفرض بالحديد والنار لم تعد مطلقة.ولأول مرة منذ سنوات، بدأت هذه الخلافات العميقة تنكشف للعلن وتخرج من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام. فقد باتت الاتهامات المتبادلة تُطلق بجرأة من على المنابر وفي وسائل التواصل الاجتماعي بين أقطاب الجماعة، وتتحدث علناً عن نهب أموال ما يسمى بـ"المجهود الحربي"، والمتاجرة بمعاناة المواطنين اليومية، والاستيلاء الممنهج على أراضي الدولة والعقارات العامة والخاصة.
نعم تحت رماد الولاء الظاهري والشعارات العقائدية البراقة، تدور اليوم أشرس المعارك خلف الكواليس. وما دام الصراع على المال والسلطة هو المحرك الأساسي والقوة الدافعة لهذه القيادات، فإن النهاية تصبح معروفة وحتمية: تفكك من الداخل وتآكل ذاتي لا يمكن إيقافه.