الحزبية المريضة التي أضرت بالوطن
ليست المشكلة في وجود الأحزاب والتيارات السياسية، فالتعدد والاختلاف سنة طبيعية في المجتمعات، ومن حق كل إنسان أن ينتمي إلى الحزب أو التيار الذي يقتنع به. المشكلة تبدأ عندما تتحول الحزبية من وسيلة للتنافس على خدمة الوطن إلى حالة من التعصب الأعمى، يصبح فيها الحزب أو الجماعة أهم من الوطن، ويصبح معيار الحق والخطأ هو هوية من فعل، لا حقيقة ما فعل.
الحزبية المريضة تجعل الإنسان ينظر إلى الأحداث بعينين مختلفتين؛ فإذا أخطأ حليفه بحث له عن العذر، وإذا أخطأ خصمه بحث له عن الإدانة. فإذا كان الفساد من خصم سياسي، أصبح الفساد قضية وطنية تستحق الغضب والمحاسبة، أما إذا كان الفاسد من جماعته، بدأت التبريرات: الظروف، والاستهداف السياسي، وسوء الفهم، وربما تحميل المسؤولية للآخرين. وإذا تعرض أحد أنصاره للظلم، ارتفعت الأصوات دفاعاً عن الحقوق والحريات، لكن عندما يتعرض الخصم للظلم نفسه، يصبح الصمت هو الموقف، أو يبدأ البحث عن مبررات للانتهاك.
وهذه الازدواجية لا تخص حزباً بعينه، وإنما يمكن أن تصيب أي حزب أو تيار عندما يتحول الانتماء السياسي إلى تعصب. فقد تجد إصلاحياً يتحدث عن الدولة والقانون، وهذا موقف إيجابي ما دام القانون يُطبق على الجميع، لكنه يصبح تناقضاً إذا طالب بتطبيقه على خصومه وتسامح مع من هم محسوبون عليه. وقد تجد مؤتمرياً يتحدث عن الاستقرار والحفاظ على مؤسسات الدولة، وهو مبدأ يمكن الاتفاق عليه، لكن الاختبار الحقيقي للمبدأ هو أن يظل ثابتاً حتى عندما تكون المؤسسة أو القرار ضد مصالح الجماعة. وقد تجد اشتراكياً يرفع شعار العدالة والمساواة، ولا قيمة لهذا الشعار إذا أصبحت العدالة انتقائية، تطبق على الخصم وتتوقف عندما يصل الأمر إلى الحليف. وكذلك من يرفع شعار الدين أو المبادئ الأخلاقية، فإن قيمة شعاراته تظهر عندما يلتزم بها مع من يختلف معه قبل من يتفق معه.
وقد تظهر الحزبية المريضة بصورة أوضح في المواقف من الحروب والأزمات. فقد يدعو شخص إلى الصلاة والدعاء عندما تدور المعارك في مأرب، لكنه لا يُظهر الحماس نفسه عندما تسقط الضحايا في محافظة أخرى. وقد يغضب من سقوط قتلى عندما يكونون من جماعته أو منطقته، بينما يتعامل مع الضحايا من الطرف الآخر باعتبارهم مجرد أرقام. وقد يرفض الحرب عندما تكون نتائجها مؤلمة لفريقه، ثم يجد لها المبررات عندما يعتقد أن نتائجها ستكون في صالحه. وهنا لا يعود الموقف مبنياً على مبدأ ثابت، وإنما على سؤال واحد: من المستفيد ومن المتضرر؟
والأمر نفسه ينطبق على مفهوم الخيانة والعمالة. ففي أجواء الاستقطاب السياسي، قد يصبح الشخص وطنياً في نظر البعض لمجرد أنه يؤيدهم، وخائناً لمجرد أنه ينتقدهم، حتى لو لم يتغير منه سوى موقفه السياسي. وقد تجد من يصف التفاوض بأنه خيانة عندما يقوم به خصمه، ثم يصفه بأنه حكمة وشجاعة عندما يقوم به الطرف الذي يؤيده. ويحدث الأمر نفسه مع التحالفات والاتفاقات والمبادرات؛ فما كان بالأمس "تنازلاً عن المبادئ" قد يصبح اليوم "واقعية سياسية" لمجرد أن الأطراف تغيرت.
لكن الحزبية ليست وحدها التي تنتج هذه العقلية؛ فالمرض نفسه يمكن أن يظهر في المناطقية والقبلية والمذهبية والمناطق السياسية. فقد يعتبر البعض ما يحدث في منطقته قضية وطنية كبرى، بينما يرى معاناة الآخرين شأناً محلياً لا يعنيه. وقد يدافع عن ابن قبيلته حتى عندما يخطئ، بينما يطالب بأقصى العقوبات عندما يكون المخطئ من قبيلة أخرى. وقد يطالب بالحرية عندما يتحدث أنصاره، ثم يرى الرأي المخالف إساءة أو خيانة عندما يأتي من خصومه.
ومع وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المشكلة أكثر وضوحاً؛ فكل طرف يختار من الأخبار ما يوافق موقفه، ويشارك ما يدعم جماعته، ويتجاهل ما يحرجها. الخبر الذي يخدمه يصبح "حقيقة مؤكدة"، والخبر الذي يضر به يصبح "إشاعة أو دعاية". وهكذا لا يعود الناس يبحثون عن الحقيقة، وإنما يبحث كل طرف عن الأدلة التي تثبت أنه على حق.
والأخطر من كل ذلك أن الإنسان قد يفقد قدرته على نقد جماعته. يصبح الاعتراف بخطأ الحزب أو التيار نوعاً من الخيانة، ويصبح الدفاع عنه واجباً حتى عندما يكون الخطأ واضحاً. وهنا يتحول الانتماء من وسيلة للمشاركة السياسية إلى قيد يمنع الإنسان من التفكير المستقل. فالإنسان لا يعود يسأل: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وما الحل؟ وإنما يسأل أولاً: هل هذا يخدم جماعتي أم يضرها؟
وهذا هو جوهر الحزبية المريضة: أن يصبح الموقف السياسي أهم من الحقيقة، وأن يصبح انتصار الجماعة أهم من مصلحة الوطن.
اليمن لا يحتاج إلى إلغاء الأحزاب، ولا يحتاج إلى أن يتفق أبناؤه في السياسة والفكر. اليمن يحتاج إلى أحزاب تختلف فيما بينها، لكنها تتفق على أن الوطن أكبر منها جميعاً. يحتاج إلى مؤتمري يستطيع أن ينتقد المؤتمر، وإصلاحي يستطيع أن ينتقد الإصلاح، واشتراكي يستطيع أن يعترض على الاشتراكي، وسلفي يستطيع أن يراجع موقف جماعته، ومستقل لا يبيع موقفه لأي طرف. يحتاج إلى مواطن يستطيع أن يقول: هذا خطأ، حتى لو فعله من أحب، وهذا صحيح، حتى لو قاله من أختلف معه.
فالاختبار الحقيقي للانتماء السياسي ليس قدرتنا على الدفاع عن جماعتنا عندما تكون على حق، وإنما قدرتنا على قول الحقيقة عندما تكون جماعتنا مخطئة. وليس المطلوب أن نتخلى عن أحزابنا، بل أن نتخلى عن العصبية التي تجعل الحزب فوق الوطن، والجماعة فوق القانون، والصديق فوق الحقيقة.
فإذا كان الظلم مرفوضاً، فهو مرفوض سواء وقع على حليف أو خصم. وإذا كان الفساد جريمة، فهو جريمة سواء ارتكبها من نؤيده أو من نعارضه. وإذا كان الدم اليمني غالياً، فهو غالٍ في مأرب وعدن وتعز وصنعاء والحديدة وحضرموت وشبوة وكل محافظة ومدينة وقرية في هذا الوطن.
الوطن لا يخسر بسبب اختلاف أبنائه، وإنما يخسر عندما يصبح كل طرف مستعداً للتضحية بالوطن من أجل انتصار جماعته.
والحزبية الصحية تقول: "نختلف من أجل الوطن."
أما الحزبية المريضة فتقول: "الوطن معنا أو ضدنا."
وبين العبارتين يتحدد الفرق بين سياسة تخدم الناس، وسياسة تجعل الناس وقوداً للصراع.