هل اليمن مقبلة على معركة شاملة ضد مليشيات الحوثي؟
لم يعد السؤال في اليمن اليوم ما إذا كانت جولة جديدة من القتال قد بدأت، فهذا أمر بات واضحًا على أكثر من جبهة، وإنما السؤال الأكثر أهمية هو: هل تتجه البلاد إلى معركة شاملة تعيد رسم الخريطة العسكرية، وتفتح الطريق أمام معركة استعادة الدولة؟
المؤشرات الميدانية والسياسية خلال الأسابيع الأخيرة تجعل هذا الاحتمال مطروحًا بجدية، لكن المعركة الشاملة لا تُقاس بكثافة الغارات وحدها، وإنما بمدى قدرة القوات الحكومية على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وتوحيد القرار العسكري، وربط جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجبهات الأخرى ضمن استراتيجية واحدة.
أولًا: هل المعركة الشاملة على الأبواب؟
ما حدث في الساحل الغربي ثم امتد إلى تعز لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد جولة عسكرية منفصلة، فالهجوم الحوثي على الساحل خلال سبتمبر، وما رافقه من السيطرة على مواقع ومناطق استراتيجية، وصولًا إلى المخا ومناطق في الساحل الغربي والجزر الحاكمة لمضيق باب المندب، كشف عن محاولة لتغيير المعادلة الجغرافية والعسكرية، والوصول إلى وضع أكثر تأثيرًا على باب المندب وخطوط الملاحة وتنفيذ عمليات عسكرية للحرس الثوري الإيراني لتخفيف الضغط عل ايران في مضيق هرمز والحصار الأمريكي للسواحل الايرانية ومحاولة ايران خنق صادرات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية من الخليج العربي و البحر الأحمر.
لكن الأهم أن التقدم الحوثي على الساحل لم يتحول حتى الآن إلى اختراق مماثل في تعز. فقد واجهت الجماعة مقاومة أكثر تماسكًا في الجبهات الجبلية، بينما تمكنت القوات الحكومية من الحفاظ على مواقعها وتنفيذ عمليات مضادة في عدد من المحاور. وتشير التقارير الميدانية إلى أن القتال تركز في محاور حيفان، و المقاطرة وسامع و مقبنة، وجبل حبشي وبخاصة في بني بكاري، والاقروض، والأطراف الشرقية والسمالية لمدينة تعز وحتى الجبهات الغربية والجنوبية لمحافظة تعز، مع محاولات حوثية للضغط على الطريق الحيوي بين تعز وعدن.
وهنا تكمن أهمية تعز: فمعركة تعز ليست معركة محافظة فقط، بل معركة على الاتصال بين الساحل والداخل، وبين الجنوب والشمال، وعلى الطريق الذي يمكن أن يربط القوات الحكومية بجبهات الساحل الغربي.
ولهذا فإن السيطرة الحوثية الكاملة على تعز، لو حدثت، ستغير ميزان الحرب بصورة جوهرية؛ فهي تمنح الحوثيين عمقًا إضافيًا باتجاه الجنوب، وتضغط على عدن، وتدعم سيطرتهم على الساحل الغربي. وهذا ما يفسر شدة الهجمات الحوثية على محاور تعز ومحاولات قطع خطوط الإمداد.
وفي المقابل، فإن استعادة المبادرة في تعز لا تعني فقط الدفاع عن المدينة، بل يمكن أن تصبح بوابة لإعادة ترتيب معركة الساحل: المخا، الخوخة، حيس، ذو باب، ومحيط باب المندب، وصولًا إلى الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية مثل ميون.
ومن هنا يمكن القول إن المعركة الشاملة، إذا اتُّخذ قرارها، لن تكون معركة جبهة واحدة، بل معركة مترابطة تبدأ بتثبيت تعز والساحل، وتأمين باب المندب، وقطع خطوط الإمداد الحوثية، ثم الانتقال تدريجيًا إلى استعادة المبادرة في بقية الجبهات.
ثانيًا: ما قدرات الحوثيين؟
الخطأ الاستراتيجي هو التقليل من قدرات الحوثيين. فالجماعة تمتلك خبرة قتالية تراكمت منذ سنوات، وقدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، وأسلحة مضادة للسفن، إضافة إلى القدرة على استخدام الجغرافيا الجبلية وشبكات الأنفاق والتحصينات والانتشار اللامركزي.
كما أن ارتباط الحوثيين بإيران يمنحهم دعمًا تقنيًا وخبرة في تطوير واستخدام الصواريخ والمسيّرات، ويجعل الحرب اليمنية جزءًا من معادلة إقليمية أوسع.
لكن هذه القدرات لا تعني أن الحوثيين يمتلكون تفوقًا مطلقًا على الأرض. فالمعركة الأخيرة كشفت أيضًا نقاط ضعف مهمة، أبرزها صعوبة الاحتفاظ بمناطق ساحلية واسعة، والحاجة إلى خطوط إمداد طويلة، وارتفاع كلفة الدفاع عن الأراضي الجديدة، خصوصًا عندما ينتقل القتال إلى مناطق جبلية أكثر ملاءمة للقوات المدافعة.
ولهذا فإن الفرق بين السيطرة السريعة على الساحل والسيطرة المستدامة عليه يمثل أحد الاختبارات الأساسية للحوثيين في المرحلة المقبلة. وتشير تحليلات ميدانية إلى أن الجماعة، بعد مكاسبها الساحلية، تواجه تحدي السيطرة على المرتفعات والطرق المؤدية إلى باب المندب والداخل، بينما أدى اتساع مساحة انتشارها إلى زيادة العبء اللوجستي والعسكري عليها.
ثالثًا: ما حجم الاستهدافات الحوثية للسعودية؟
التصعيد الحوثي لم يعد محصورًا في الجبهة اليمنية. فقد عادت الهجمات باتجاه السعودية إلى الواجهة، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتحدثت السعودية عن اعتراض هجمات استهدفت أراضيها ومنشآتها.
وفي 29 سبتمبر، أعلنت السعودية أن طائرة مسيّرة حوثية استهدفت محطة توزيع كهرباء في المدينة المنورة، وهو اتهام نفته جماعة الحوثي. كما تحدثت مصادر عن اعتراض صواريخ ومسيّرات أخرى، في وقت كثفت فيه السعودية ضرباتها على مواقع حوثية في اليمن.
وهنا تكمن النقلة الخطيرة: كلما اتسعت دائرة الاستهداف الحوثي للأراضي والمنشآت السعودية، تقلصت مساحة الرد السعودي المحدود، وأصبح السؤال مرتبطًا بإعادة بناء معادلة الردع نفسها.
فالتهديد للسعودية، بالتوازي مع السيطرة على أجزاء من الساحل الغربي وباب المندب، يجعل الحوثيين يمتلكون ورقتين في آن واحد: الضغط على أمن السعودية من جهة، والضغط على الملاحة الدولية من جهة أخرى.
رابعًا: أين وصل مستوى الردع السعودي؟
الرد السعودي يبدو أنه ينتقل تدريجيًا من مفهوم الدفاع واحتواء الهجمات إلى بناء ردع أكثر شمولًا.
والدليل الأبرز هو أن الرياض لا تبحث فقط عن حماية حدودها، وإنما تناقش خيارات عسكرية داخل اليمن، تقودها قوات يمنية على الأرض، مع دعم جوي سعودي. وتفيد تقارير حديثة بأن الخيارات المطروحة تتراوح بين عملية محدودة لاستعادة الساحل وتأمين باب المندب، وبين عملية أوسع متعددة الجبهات.
وهذا تحول مهم في طبيعة المعادلة. فالسعودية تستطيع أن تدافع عن أراضيها وتتعامل مع الصواريخ والمسيّرات، لكن الردع الكامل لا يتحقق بالاعتراض الجوي وحده؛ وإنما بإزالة مصادر التهديد أو تقليص قدرتها على إنتاجه وإطلاقه.
وهنا تصبح استعادة الساحل الغربي وباب المندب جزءًا من الأمن السعودي، وليس مجرد هدف عسكري يمني.
لكن ذلك لا يعني أن قرار الحرب الشاملة قد حُسم نهائيًا؛ فالتقارير تتحدث عن خيارات متعددة قيد الدراسة، وليس عن عملية واحدة معلنة بكل تفاصيلها.
خامسًا: ما مدى مشاركة باكستان وتركيا؟
تطور مهم آخر هو اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي يجعل الاعتداء المسلح على إحدى الدول الأعضاء اعتداءً عليها جميعًا. كما عقد رؤساء أركان الدول الثلاث اجتماعًا في الرياض، في ظل التصعيد الحوثي.
لكن من المهم التمييز بين الدفاع عن السعودية والمشاركة المباشرة في الحرب داخل اليمن.
المؤشرات الحالية تشير إلى أن الدور الباكستاني والتركي يتجه بصورة أكبر نحو الدفاع عن الأراضي السعودية، والتعاون العسكري والاستخباري والتقني والتسليحي والاستشاري، وليس إلى إرسال قوات قتالية تركية أو باكستانية لخوض المعارك البرية داخل اليمن.
وتشير تقارير إلى أن باكستان نشرت قوات في السعودية لأغراض دفاعية، بينما توفر تركيا دعمًا عسكريًا وتقنيًا واستشاريًا، مع عدم وجود مؤشرات مؤكدة على مشاركة قتالية مباشرة لهما داخل اليمن.
وهذا التفريق مهم؛ لأن قيمة التحالف الجديد لا تكمن فقط في دخول قوات أجنبية إلى المعركة، وإنما في توسيع مظلة الردع والدفاع السعودية، ورفع مستوى تبادل المعلومات والتخطيط والتسليح والتنسيق العسكري.
معركة تعز والساحل هي في جوهرها معركة استعادة الدولة
في النهاية، لا ينبغي اختزال المعركة المقبلة في سؤال: من يسيطر على المخا أو تعز أو باب المندب؟
المسألة الأكبر هي: هل تستطيع الحكومة والقوى المناهضة للحوثيين تحويل هذه المعارك المتفرقة إلى مشروع عسكري وسياسي لاستعادة الدولة؟
لقد كشفت معركة الساحل الغربي أن تعدد التشكيلات واختلاف مراكز القرار وضعف التنسيق يمكن أن يحول دون الاستفادة من القوة المتاحة. وما حدث في محور المخا ومحيطها ينبغي ألا يتكرر في تعز أو باب المندب.
وفي المقابل، أظهرت معركة تعز أن تماسك القوات المحلية، والتنسيق بين القوات الحكومية والمقاتلين المحليين، والسيطرة على المرتفعات وخطوط الإمداد، يمكن أن يعرقل التقدم الحوثي ويمنع تحويل المكاسب التكتيكية إلى انهيار شامل.
لذلك فإن استعادة المخا والساحل الغربي ليست هدفًا منفصلًا عن استعادة الدولة، كما أن الدفاع عن تعز ليس مجرد دفاع عن مدينة؛ بل هو دفاع عن مركز جغرافي وسياسي وعسكري يربط الساحل بالداخل والجنوب بالشمال.
وإذا أرادت الشرعية تحويل اللحظة الحالية إلى نقطة تحول، فإن الأولوية ليست فقط زيادة عدد المقاتلين أو الضربات الجوية، وإنما توحيد غرفة العمليات، ودمج القوات، وتوحيد القرار العسكري، وتأمين خطوط الإمداد، وإعادة بناء القوة البرية القادرة على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
عندها فقط يمكن أن تتحول الضربات الجوية والدعم الإقليمي إلى نتائج ميدانية مستدامة.
أما السؤال عما إذا كانت المعركة الشاملة أصبحت على الأبواب، فالمؤشرات الحالية تقول إن البيئة العسكرية والسياسية باتت أقرب إلى ذلك من أي وقت مضى منذ هدنة 2022، لكن الحسم يتوقف على قرار سياسي واضح، وقدرة القوات اليمنية على خوض المعركة كقوة موحدة، وعلى طبيعة الدور السعودي والإقليمي.
المعركة الحقيقية إذن ليست مجرد معركة ضد الحوثيين لاستعادة موقع أو مدينة، وإنما معركة على شكل اليمن ومستقبل الدولة: هل تبقى الجغرافيا اليمنية مجزأة تحت قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة، أم تبدأ مرحلة عسكرية وسياسية جديدة تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وسيادتها وسواحلها وموانئها وممراتها الاستراتيجية؟
أكاديمي ومحلل سياسي يمني