طفلٌ يبكي… وحربٌ لا ترحم
ليس في وجه طفلٍ يبكي شيء من ملامح الحرب. عيناه لا تعرفان معنى الجبهة، ويداه الصغيرتان خُلقتا لتحملا كتاباً أو لعبة، لا بندقية. ومع ذلك، يجد أطفال يمنيون أنفسهم في قلب صراع لم يختاروه، يدفعون ثمن حرب صنعها الكبار، ويُطلب منهم أن يدفعوا أغلى ما يملكون: أعمارهم.
المشهد الذي يقطع القلب ليس مجرد طفل خائف؛ إنه صورة لوطن يُستنزف مستقبله أمام عينيه.
كيف يمكن لجماعة مسلحة أن تنظر إلى طفل لم يكتمل وعيه، فتراه مشروع مقاتل بدلاً من أن تراه إنساناً يحتاج إلى الحماية؟ وكيف يمكن أن يتحول مقعد المدرسة إلى بوابة تقود إلى المعسكر، وأن تصبح الطفولة مادة للتعبئة والتحشيد؟
هذه الأسئلة لم تعد مجرد اتهامات سياسية متبادلة. تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية وثقت تجنيد أطفال واستخدامهم في النزاع اليمني. وفي تقرير أممي صدر عام 2026، تحققت الأمم المتحدة من 127 حالة تجنيد واستخدام أطفال من جانب الحوثيين خلال الفترة التي يغطيها التقرير، إلى جانب تقارير عن معسكرات صيفية ذات محتوى وأنشطة عسكرية استهدفت آلاف الأطفال.
كما وثق فريق خبراء الأمم المتحدة آليات متعددة لتجنيد الأطفال، بينها استغلال المؤسسات التعليمية والمعسكرات الصيفية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، مع الإشارة إلى حالات إكراه واستغلال لحاجة الأسر.
وراء كل رقم طفل له أم وأب وبيت وحلم.
وراء كل اسم قصة كان يمكن أن تستمر، ومدرسة كان يمكن أن يدخلها صباحاً، ومستقبل كان يمكن أن يصنع منه طبيباً أو معلماً أو مهندساً أو مزارعاً أو رب أسرة.
لكن الحرب تختصر كل هذه الأحلام في لحظة واحدة.
الطفل الذي يُنتزع من بيئته الطبيعية ويُدفع إلى بيئة عسكرية لا يصبح بطلاً لمجرد أنه حمل السلاح؛ يصبح ضحية لمن وضع السلاح في يده.
والطفل لا يتحمل مسؤولية الفقر الذي تعيشه أسرته، ولا مسؤولية انهيار الدولة، ولا مسؤولية الصراع السياسي، ولا مسؤولية الشعارات التي ترفعها الجماعات المسلحة. لذلك فإن تحميله ثمن هذه الأزمات جريمة أخلاقية قبل أن يكون انتهاكاً قانونياً.
إلى الآباء والأمهات وأولياء الأمور في اليمن: لا تسمحوا لأحد بأن يقنعكم بأن مستقبل أبنائكم يبدأ من الجبهة.
احموا أبناءكم من التجنيد، ومن الاستغلال، ومن خطاب يحوّل الموت إلى بطولة والطفولة إلى وقود.
ليس عيباً أن ترفض الأسرة إرسال ابنها إلى الحرب، وليس جبناً أن تختار لطفلها الحياة، وليس خيانة للوطن أن تحمي فلذة كبدها. بل إن حماية الطفل في بلد أنهكته الحرب هي من أبسط صور المسؤولية الإنسانية والوطنية.
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الأطفال الذين يعرفون طريق الجبهة قبل أن يعرفوا طريق الجامعة.
لا يحتاج إلى أمهات ينتظرن أبناءهن أمام أبواب المستشفيات أو المقابر.
ولا يحتاج إلى جيل جديد يحمل آثار الحرب في ذاكرته حتى بعد أن تصمت البنادق.
تعز، ومأرب، وصنعاء، وصعدة، وعمران، وحجة، وذمار، وإب، والحديدة، وكل مدينة وقرية يمنية، تستحق أن يكون أطفالها في المدارس لا في ساحات القتال.
والحديث عن حماية الأطفال يجب ألا يكون انتقائياً؛ فكل طرف يجند الأطفال أو يعرّضهم للخطر مطالب بالتوقف والمساءلة. لكن المسؤولية لا تعني الصمت عن الانتهاكات الموثقة، ولا يجوز أن يصبح الطفل ضحية إضافية للصراع السياسي والإعلامي.
المطلوب واضح: وقف تجنيد الأطفال، منع استخدامهم في الأعمال العسكرية، إعادة من جرى تجنيدهم إلى أسرهم، توفير التأهيل النفسي والتعليمي لهم، ومحاسبة المسؤولين عن استغلالهم.
فالخطر لا ينتهي بموت الطفل وحده؛ لأن المجتمع الذي يخسر أطفاله يخسر مستقبله.
الحوثيون وغيرهم من أطراف النزاع يستطيعون أن يختلفوا على السلطة والسياسة والجغرافيا، لكن لا يملكون حق تحويل الطفولة اليمنية إلى ميدان آخر للحرب.
لا قضية سياسية تستحق أن يموت طفل من أجلها.
ولا شعار وطني يبرر تحويل المدرسة إلى معسكر.
ولا مشروع سياسي يمكن أن يكتسب شرعيته من دم طفل.
اليمن لن يخرج من أزمته بمزيد من البنادق، وإنما باستعادة المدرسة والبيت والمستشفى والشارع الآمن، وبإعطاء الطفل فرصة أن يكبر بعيداً عن الخوف.
ولهذا يجب أن تكون الرسالة الأخيرة حاسمة: أطفال اليمن ليسوا جنوداً، وليسوا وقوداً، وليسوا أرقاماً في قوائم القتلى. من يمد يده إلى طفل ليزج به في الحرب، فقد اختار أن يحارب مستقبل اليمن نفسه.
أعيدوا الأطفال إلى مقاعد الدراسة، واتركوا الجبهات للرجال القادرين على اتخاذ قرارهم بأنفسهم. أما الطفل، فحقه الوحيد في هذه الحرب أن يبقى حياً.