كيف حوّلت مليشيا الاحتلال الإيراني "الشيخ" و"الموظف" إلى حطب لمجانيق تعز والمخا؟
لم تكن المسألة مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت "هندسة معمارية" لإنشاء سيرك واسع النطاق! لقد اكتشفت مليشيا الاحتلال الإيراني سحر الكيمياء السياسية: كيف تحول "أبو رأس مرفوع" في القبيلة إلى جابي إتاوات، و"الاستاذ الجامعي" إلى مقاتل يحمل بندقية بدلاً من القلم.
لم تحتج المليشيا لإقناع أحد بنظرياتها الفائقة، بل اكتفت بوصفة سحرية مزدوجة: «وثيقة الشرف القبلي» (لطهي القبائل على نار هادئة)، و«مدونة السلوك الوظيفي» (لتدجين الموظف المقطوع راتبه). وبفضل هذه الخلطة السحرية، تحول الموظف والشيخ من حراس للجمهورية إلى قطع غيار في آلة الحرب التي تستنزف تعز والمخا. نفتح في هذا الاستطلاع أبواب السيرك لنستمع لشهادات شهود العيان على هذه الكوميديا السوداء!
«وثيقة الشرف القبلي».. عندما صار العُرف "فاتورة" والمشايخ "مقاولين"!
الشيخ أحمد عبد الله العزاني (أحد أعيان محافظة البيضاء) قال:
"كان العُرف القبلي قديماً يُنقذ المظلوم ويجير الخائف، ولكن ببركة (وثيقة الشرف)، تحول العُرف إلى دفتر حسابات! صرنا نرى المشايخ يتحولون إلى مقاولي تجنيد، يُطالب كل واحد منهم بورد يومي من أرواح أبناء قبيلته تحت بند (المجهود الحربي)."
ويضيف العزاني بسخرية مريرة: «ابتكرت المليشيا بدعة (العزل القبلي)، أي أن القبيلة تطرد ابنها المعارض وتُبيح بيته للنسف وتسميه خائناً للعُرف! أما الشيخ القديم الذي يتذكر شيئاً اسمه النخوة، فيتم شطبه واستبداله بـ (شيخ المجهود الحربي) المصنوع طازجاً في أفران المشرف الاجتماعي، ليقود أبناء عمومته إلى محرقة تعز والساحل، وهو يبتسم للتصوير!».
مدونة السلوك الوظيفي».. اخضع تتغدَّ.. أو قَاتِل لتتعشى!
د. مروان سيف القدسي (أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة إب) قال:
"في العالم كله يُصرف للصحفي والمدرس والطبيب راتب مقابل عمله، إلا في كوكب المليشيا! هنا تُقطع راتبك ثم تُقدم لك (مدونة السلوك الوظيفي) ككتالوج للبقاء على قيد الحياة. المعادلة بسيطة: إما أن تصفق، أو تذهب للجبهة، أو تبيع أثاث بيتك لتدفع فدية بديلك!"
ويرى د. القدسي أن الملهاة اكتملت بـ "عسكرة الوظيفة": «تخيل معي مديراً عاماً أو بروفيسوراً يُساق في الصباح ليتعلم كيف يفكك الرشاش في دورات (طوفان الأقصى)! تحول الجهاز الإداري للدولة من خدمة المواطن إلى معسكر تدريب مكثف، حيث أصبح الموظف يكتب التقرير الإداري بيد، ويمسك البندقية بالأخرى، تمهيداً لإرساله حطباً لمعركة الساحل الموعودة!».
أكاديمية غسيل الأدمغة.. من "الزنزانة الروحية" إلى قمع "الزينبيات"!
الأستاذة إيمان عبد السلام النجار (ناشطة حقوقية وموجهة تربوية) قالت:
"تبدأ المأساة بـ (دورة تنشيطية) لطيفة لكسر الخجل، ثم فجأة يجد الموظف نفسه في (دورة مغلقة) لمدة 21 يوماً بلا هاتف وفي مكان مجهول، ليُصلى بنار (الملازم) الطائفية صباح مساء حتى يرى الأبيض أسوداً!"
وتشير النجار إلى الكوميديا السوداء في بقية الهرم: «أما الطلاب والنشء، فلهم (المراكز الصيفية) لغسل أدمغتهم طازجاً قبل أن تلوثها الحياة. ولتكتمل لوحة الرعب، جاء دور (الزينبيات) ليمارسن دور الشرطة السرية النسائية! إنها صناعة متكاملة لتحويل المجتمع بالكامل إلى كتيبة عسكرية متجهة نحو تعز، من المدرسة إلى الروضة وحتى البيوت».
خزان المحرقة.. استنزاف البشر لتعويض عجز الجبهات!
العقيد ركن محمد علي الصبيحي (محلل عسكري واستراتيجي) قال:
"تخيّل أن وزارات المالية، والعدل، والأوقاف، والتعليم، والبلديات أصبحت تسجل حضورها وغيابها في كشوفات جبهات تعز والمخا وذوباب! المليشيا تعاني من ظمأ دائم للمقاتلين، ولهذا فتحت صناعة التجنيد القسري على مصراعيها."
ويتابع الصبيحي تهكمه: «المليشيا لا تكتفي باستنزاف مناطق سيطرتها، بل تنظر بثقب الباب إلى المناطق المحررة، وتستغل أي أزمة خدمية لتغري هذا أو تهدد ذاك، وتغزل شبكاتها الناعمة. إن ما يُبنى في صنعاء ليس مؤسسات دولة، بل "جيش شعبوي قسري" يُساق كالقطيع لتعويض الخسائر الفادحة في شريط الساحل الغربي».
معركة الوعي.. كيف نفرق بين "الضحية" و"مخرج المسرحية"؟
الأستاذ صلاح الدين المحمدي (كاتب ومحلل سياسي) قال:
"حين نفتح هذا الملف، علينا ألا نخلط الأوراق في مسرح الهزل هذا! هناك فارق شاسع بين من صفق بحماس وانخرط ليبني لنفسه إمبراطورية على أجساد الضحايا، وبين مسكين جائع حاصره التهديد بلقمة عيشه وأطفاله فمشى مكروهاً."
ويختم المحمدي بصياغة ساخرة قاطعة: «استعادة الجمهورية لا تبدأ باطلاق النار فقط، بل بفك هذا السحر الأسود المسمى بالمدونات والوثائق. يجب توثيق أسماء المشرفين وتواريخ الدورات بدقة؛ حتى لا يخرج علينا مخرج المسرحية غداً ليدّعي أنه كان مجرد (كومبارس) مُكره! إن سد الثغرات وتطهير المؤسسات هما البداية لإعادة الشيخ إلى وقاره، والموظف إلى مكتبه، والإنسان إلى كرامته».
الختام
في النهاية، تكشف شهادات الضيوف أن مليشيا الاحتلال الإيراني لم تكتفِ باحتلال الأرض، بل احتلت المفهوم والوظيفة والعُرف، وحولتها إلى ملهاة مأساوية تُنتج قوافل القتلى نحو تعز والمخا.
إن تفكيك هذه المهازل بوعي وتوثيق ليس مجرد عمل صحفي، بل هو المشرط الأول لجراحة استئصال هذا الأورام، وإعادة التوازن لعقول ونفوس ومؤسسات اليمنيين.