تخادم الحوثيين وتنظيم القاعدة في اليمن.. تحالف المصالح في مواجهة الدولة

تخادم الحوثيين وتنظيم القاعدة في اليمن.. تحالف المصالح في مواجهة الدولة
مشاركة الخبر:

تعد العلاقة بين مليشيا الحوثي الارهابية وتنظيم القاعدة في اليمن من أكثر الملفات تعقيداً وغموضاً، ورغم ما يظهر من عداء أيديولوجي معلن بين الطرفين، إلا أن الوقائع الميدانية خلال السنوات الماضية كشفت عن نمط متكرر من التخادم وتبادل المصالح وغض الطرف، خاصة في المناطق التي تشهد صراعاً مع قوات الحكومة الشرعية.
إن العلاقة بين الحوثيين والقاعدة في اليمن ليست تحالفاً عقائدياً معلناً، بل هي تحالف مصلحي براغماتي يقوم على قاعدة "عدو عدوي صديقي". وهو تخادم تكتيكي لإدارة الصراع، يهدف الطرفان من خلاله إلى البقاء وإفشال أي مشروع وطني لاستعادة الدولة، وهو ما يتطلب تعاملاً استخباراتياً وأمنياً دقيقاً من قبل الحكومة الشرعية والشركاء الدوليين لفك هذا الارتباط وكشف أبعاده.

التخادم الميداني
ويبدأ وينتهي بتنفيذ عمليات ارهابية ضد القوات الحكومية متعددة التشكيلات، وزعزعة الامن والاستقرار في المناطق المحررة، وصولا الى التخادم ضد الملاحة وخدمة المشروع الايراني في المنطقة.
ومن ابرز مظاهر التخادم في هذا الاطار، ما يجري  في محافظتي شبوة وابين، من عمليات استهداف مباشر للقوات الحكومية من خلال الهجمات الانتحارية او زراعة العبوات الناسفة او تفخيخ المنشآت او المركبات، والتي كان اخرها السبت 10 اكتوبر 2026 في بيحان شبوة.
وتعد العمليات التي تجري في ابين من سنوات التي تمارسها عناصر التنظيم ضد القوات الحكومية في مديريات لودر ومودية وخنفر وشقرة، من ابرز مظاهر التخادم بين الجانبين، فضلا عنا جرى في محافظة البيضاء خلال عامي 2020 و 2021. حيث شن الحوثيون هجوماً على مناطق كانت خاضعة لسيطرة تنظيم القاعدة في مديريات الصومعة والزاهر وولد ربيع، لكن سرعان ما انسحب عناصر التنظيم دون مقاومة حقيقية، وسلمت تلك المناطق للحوثيين. 
تقارير استخباراتية يمنية ودولية أكدت أن الانسحاب تم بموجب اتفاق غير معلن، قضى بخروج آمن لعناصر القاعدة مع أسلحتهم نحو محافظتي شبوة وأبين، مقابل تسليم المواقع للحوثيين دون قتال. وهو ما مكن الحوثيين من التمدد شرقاً والالتفاف على جبهات مأرب.

وتكرر السيناريو نفسه في أجزاء من مديرية بيحان وعين في شبوة خلال 2021، حيث لوحظ تنسيق ضمني لتأمين خطوط إمداد الحوثيين وعدم التعرض لها من قبل عناصر التنظيم.

تخادم السجون
وهنا، كشفت منظمات منظمات حقوقية عن أن مليشيا الحوثي أفرجت عن العشرات من عناصر تنظيم القاعدة وداعش من سجونها في صنعاء وذمار، بعد وساطات قبلية، مقابل تعهدات بعدم تنفيذ عمليات في مناطق سيطرة الحوثيين، وتوجيه نشاطهم نحو مناطق نفوذ الحكومة الشرعية والقوات الجنوبية.
ووثقت تقارير أممية أن سجون الحوثيين تحولت إلى مراكز لتجنيد المتطرفين، حيث يتم تخيير السجناء من القاعدة بين البقاء في السجن أو الالتحاق بجبهات القتال الحوثية، وهو ما يفسر وجود أعداد منهم في صفوف الحوثيين.

التتوظيف الاعلام
يؤكد مراقبون، ان الجانبين الحوثي والقاعدة، استفد كل من الاخر لصالح بقائهما، حيث يستخدم الحوثيون شماعة "مكافحة القاعدة وداعش" لكسب تعاطف دولي وتبرير عملياتهم العسكرية ضد المناطق المحررة خاصة في البيضاء وشبوة ومأرب.
- في المقابل، يستخدم تنظيم القاعدة ذريعة "قتال المشروع الحوثي الرافضي" لتجنيد العناصر وحشد الدعم، بينما في الواقع يوجه أكثر من 70% من عملياته ضد قوات الجيش والأمن والحزام الأمني في أبين وشبوة، وفقاً لإحصائيات مراكز بحثية يمنية.
والاهم من ذلك يلتقي المشروعان في هدف واحد وهو إضعاف الدولة اليمنية ومؤسساتها وإنهاك قوات الشرعية والتحالف العربي، من خلال اطالة أمد الحرب واستنزاف الجميع، وخاط الاوراق أمام المجتمع الدولي وتصوير الصراع في اليمن كصراع طائفي معقد يصعب حسمه، فضلا عن تقاسم مناطق النفوذ والتهريب، خاصة تجارة السلاح والمشتقات النفطية في خطوط التماس بين البيضاء وشبوة وأبين.

محليا، نفذ الجانبين عمليات اقتحام سجون افراج عن عناصر للتنظيم، كان ابرزها افراج الحوثيين عن القيادي في القاعدة "سامي ديان" و 8 من عناصره من سجن الأمن السياسي بصنعاء في 2020، وكذا افراج القاعدة عن أسرى حوثيين في البيضاء مقابل إطلاق الحوثيين لأسرى من القاعدة في صفقة غير معلنة.
ونفذت عناصر القاعدة زراعة عبوات ناسفة على طريق الإمداد الرئيسي لقوات الجيش والتحالف (عتق - العبر)، بتمويل ومتفجرات قدمها الحوثيون، بهدف قطع إمدادات جبهة مأرب والجوف.


تهديد الملاحة
تصاعد خطر التحالف والتنسيق بين الجانبين مع احتلال ايران عبر ذراعها الحوثية لباب المندب والجزر اليمنية في البحر الاحمر في سبتمبر 2026.
الا ان التهديد الحقيقي للجانبين ضد الملاحة، تنامى بشكل كبير خلال عامي 2024م و 2025م ، فلم يحتاج الحوثي لتهديد الملاحة الدولية بخليج عدن والبحر العربي ان يصل الى السواحل الجنوبية ، فقد كان موجوداً في مرتفعات جبلية تصل الى 2000م ولا تبعد أكثر من 100كم عن خطوط الملاحة.
فاستهدف عشرات السفن التجارية هناك وتمكن من إصابة البعض منها ، بصواريخ ومُسيرات كان يطلقها من جبال مكيراس بمحافظة البيضاء بالاشتراك مع القاعدة.
وذات الأمر ينطبق اليوم على الوضع في باب المندب ، الذي يُمكن للحوثي ان يتقبل خسارته بعد ان سيطر على أهم سلاسل الجبال في جنوب وغرب تعز والتي يصل ارتفاع بعضها الى 2800م وتبعد عن خطوط الملاحة من 75-100كم، فيما لديه علاقة تعاون مباشرة مع ذراع القاعدة في الصومال حركة الشباب الصومالية.

من اليمن الى الصومال
وتبرز مظاهر التخادم الممتد بين الحوثي والقاعدة من اليمن الى الصومال في تشكيل شبكة تهريب واحدة عبر خليج عدن تربط الحوثيين بحركة الشباب وتنظيم القاعدة في الصومال، يتم عبرها تبادل الأسلحة والمقاتلين والخبراء، برعاية إيرانية، الى جانب تبادل خبرات التفخيخ والعبوات الناسفة والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة بين الطرفين، عبر خبراء دربهم الحرس الثوري الإيراني في اليمن والصومال.
وشهدت الاعوام الماضية عمليات تهريب مختلفة نفذها الطرفين عبر البحر، حيث ضبطت البحرية الأمريكية والفرنسية عدة شحنات قادمة من ميناء بوصاصو الصومالي إلى ميناء الصليف بالحديدة، كانت تحتوي على أسلحة إيرانية ومقاتلين صوماليين من حركة الشباب، في عملية تبادل لتهريب مقاتلي القاعدة اليمنيين إلى الصومال.
مشاركة خبراء من تنظيم الشباب الصومالي وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب في تطوير وتفخيخ زوارق حوثية انطلقت من الحديدة لاستهداف سفن التحالف، وهي نفس التقنية التي استخدمها التنظيم في هجومه على المدمرة الأمريكية يو إس إس كول عام 2000.
وعمل الجانبين على تشكيل شبكة مشتركة لتجنيد مقاتلين من الصومال وإثيوبيا عبر ميناء رأس عيسى، يتم تدريبهم في معسكرات في ذمار وصعدة، ثم توزيعهم: جزء يقاتل مع الحوثيين في مأرب والساحل، وجزء يتم إرساله للقتال مع القاعدة في أبين.

تخادم تجاوز الجغرافيا
لم يعد التخادم بين مليشيا الحوثي وتنظيمي القاعدة وداعش مقتصراً على الجغرافيا اليمنية، بل تشير تقارير دولية واستخباراتية إلى امتداده عبر البحر الأحمر وخليج عدن ليصل إلى القرن الإفريقي، وتحديداً الصومال، ضمن شبكة تهريب ومصالح استراتيجية تديرها طهران.
الى ذلك كشف تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي لعام 2023 و 2024 عن وجود طريق إمداد بحري منتظم يربط بين سواحل الحوثيين في الحديدة والمخا، وسواحل بوصاصو وبوساسو في الصومال.
كما يتم عبر هذا الممر تهريب الأسلحة الإيرانية المرسلة للحوثيين (طائرات مسيرة، صواريخ، متفجرات) ومن ثم نقل جزء منها إلى حركة الشباب المجاهدين وتنظيم القاعدة في الصومال.
- في المقابل، يتم تهريب مقاتلين صوماليين وأفارقة للقتال في صفوف الحوثيين، وكذلك تهريب مادة الشبو والحشيش والأسلحة الخفيفة إلى اليمن لتمويل المليشيا.

وأكدت البحرية الأمريكية والبريطانية ضبطها لشحنات أسلحة في خليج عدن كانت في طريقها من الصومال إلى اليمن، وعلى متنها خبراء متفجرات صوماليون.

تبادل الخبرات الارهابية
شهدت الاعوام الثلاثة الاخيرة، تنسيقا ارهابيا بين الجانبين، حيث قدم الحوثيون دعماً من خبراء تنظيم الشباب الصومالي في مجال تفخيخ الزوارق المفخخة، وهي نفس التقنية التي يستخدمها الحوثيون في البحر الأحمر لاستهداف السفن.
واشرف خبراء من الحرس الثوري الإيراني على تدريب عناصر من القاعدة والشباب في الصومال على استخدام الطائرات المسيرة الانتحارية في معسكرات سرية في محافظة بونتلاند، بنفس النموذج المستخدم في صعدة وصنعاء.
وتؤكد وثائق اممية وجود مقاتلين من أصول صومالية أسرى لدى القوات الحكومية اليمنية في مأرب والساحل الغربي، اعترفوا بأنهم جاؤوا للقتال مقابل 2000 دولار شهرياً.

تحالف اسود 
ويتجاوز التحالف بين الجانبين، التنسيق الارهابي الى الاقتصادي، بداية من تجارة السلاح التي تديره مافيا مشتركة،  من اليمن إلى الصومال والعكس، يقودها تجار سلاح مقربون من الحوثيين وشخصيات قبلية في شبوة والمهرة.
ويتوسع الى القرصنة وغسيل الاموال وتهريب البشر يتم غسلها عبر شركات صرافة في صنعاء وعدن تسيطر عليها المليشيا، الى جانب تهريب المخدرات عبر نقاط عبور لشحنات الكبتاجون والشبو الإيرانية القادمة إلى الحوثيين، ومن ثم إعادة تصديرها إلى السعودية والخليج.

راعي مشترك 
ان المحرك الأساسي لهذا المحور هو الحرس الثوري الإيراني الذي يعتبر اليمن والصومال ساحة واحدة، فطهران ترى في حركة الشباب والحوثيين والقاعدة أدوات لزعزعة أمن البحر الأحمر وباب المندب وتهديد خطوط الملاحة الدولية.
وقد عملت على إيجاد تنسيق استخباراتي يجري في العاصمة الإريترية أسمرة وجيبوتي لتسهيل اللقاءات بين ممثلي الحوثيين وقادة القاعدة في الصومال.

اخيرا .. نحن أمام هلال إرهابي بحري يمتد من صعدة مروراً بالحديدة وصولاً إلى مقديشو وبوصاصو، تديره إيران وتستفيد منه الجماعات الإرهابية. هذا التحالف لا يستهدف اليمن فقط، بل يستهدف أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والأمن القومي العربي في الخليج ومصر، وهو ما يستدعي تحركاً إقليمياً ودولياً مشتركاً لتجفيف منابع التهريب وقطع هذا الحبل السري بين اليمن والصومال.