صنعاء ليست ورقة إيرانية.. واليمن ليس هامشًا في الأمن القومي العربي

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

الحقيقة التي لا يجوز للعرب واليمنيين التهرب منها هي أن استمرار سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء ليس مجرد أزمة طال أمدها، أو صراع محلي يمكن احتواؤه بمساومات مؤقتة، بل هو اختبار صريح لإرادة اليمنيين في استعادة دولتهم، ولمقدرة النظام العربي على منع تحويل اليمن إلى منصة نفوذ تُدار منها التهديدات عبر الحدود والبحار.

 الخطر الأكبر اليوم لا يكمن فقط في كيفية سقوط العاصمة، بل في ذلك التطبيع المتسلل مع الواقع؛ حين يُتعامل مع الانقلاب كأمر دائم، وتتحول استعادة الدولة إلى شعار مؤجل، وتُختزل قضية شعب في جولات تفاوض عقيمة لا تنهي مسببات الحرب.

صحيح أن الدعم الإيراني منح المليشيا سنداً عسكرياً يتجاوز جغرافيتها، وجعل موقع اليمن على البحر الأحمر وباب المندب خنجراً في خاصرة الأمن الإقليمي والعربي والملاحة الدولية، لكن اختزال المشكلة برمتها في الشماعة الخارجية سذاجة تحليلية؛ فالغريب لا يجد ثغرة إلا حين يتصدع البيت من الداخل.

 وهنا تكمن العقدة الحقيقية التي ينبغي مواجهتها بشجاعة، فالقوى المناهضة للمشروع الحوثي تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن إطالة عمر الأزمة، بعدما غرقت في انقساماتها وصراعاتها الحزبية والمناطقية، وتفرغ بعضها للنهب وتوسيع النفوذ على حساب المعركة الوطنية، فكان العجز عن تقديم نموذج حوكمة يطمئن الناس هو الثغرة النافذة التي استُغلت لإضعاف الشرعية.

إسقاط الانقلاب لا يتحقق بالشعارات الرنانة ولا بالبدائل التي تعيد إنتاج أسباب الانهيار ذاتها، بل يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، وإنهاء ازدواجية القرار، ورفع اليد عن المحاصصة المقيتة، وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية. كما يجب ألا يتحول الحديث عن السلام إلى غطاء لتكريس نتائج استخدام القوة، فأي تسوية تتجاهل احتكار السلاح وتغفل بناء المؤسسات ليست سوى هدنة هشّة لتأجيل الجولة القادمة من القتال. أما الدور العربي المطلوب، فيجب أن يتجاوز سياسة إدارة الأزمات إلى تبني مقاربة حازمة تشترط ربط الدعم ببناء حوكمة حقيقية وتمكين دولة مستقلة تمتلك السيادة و القرار قادرة على حماية أمنها وجوارها تبدا بتغيير ادوات الفشل.

صنعاء هي عاصمة اليمن، وليست ورقة تفاوض في يد طهران، ولا غنيمة لفرق أيديولوجية أو مصالح ضيقة. المعركة الحقيقية لا تتعلق بالسيطرة الميدانية فحسب، بل بإنهاء الظروف التي تسمح لأي مليشيا مسلحة بالتحكم في مصير البلاد، فلا سلام مع تثبيت الانقلاب، ولا دولة في ظل السلاح المنفلت، ولا مستقبل لليمن إلا بسيادة القانون وتحت سقف مؤسسات تستحق ثقة الناس.