وطن على مائدة العبث .. اليمنيون بين مطرقة الشتات وسندان الإقليم
حين تصبح الجغرافيا اليمنية مسرحًا لتبادل الرسائل بالنار، ويتحول المواطن البسيط إلى رقم في معادلات العبث المتبادل، تفقد الكلمات رنينها، وتبقى الأوجاع وحدها حية. من غارات تتطاير فيها مقدرات البلد ومخازنه إلى تصريحات إقليمية ودولية تعبث بما تبقى من سيادة، تبدو المشهدية اليمنية اليوم كلوحة سريالية سوداء: «عميا تخضب مجنونة»، وكل طرف يغني على ليلاه على وقع أنين الملايين من قطاع إلى قطاع، ومن تعز النازحة إلى عدن العطشى، وصنعاء التي أنهكتها سنوات الحرمان من الرواتب، فيما تتوزع المحافظات الأخرى بين صمت وتفاوت مطبق في تفاصيل المأساة.
إدارة الأزمات والعبث بالكيان الوطني
أحمد محسن العقيلي (الشخصية السياسية والإدارية ومسؤول محلي سابق) قال: «ما نعيشه اليوم ليس سوى حصيلة منطقية لتآكل المشروع الوطني وغياب الدولة الرشيدة لصالح أجندات الأطراف المتصارعة. تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وتناثر القرار السياسي بين عواصم القرار الخارجي يثبت أن الطبقة السياسية المتعاقبة قد فرّطت بالحد الأدنى من الكرامة الوطنية. إن تبادل الضربات النفطية وتعدد الكيانات والانفصالات المصطنعة لن يزيد المشهد إلا تعقيدًا، ولن ينجو أحد من حريق هذا العبث المستمر».
النبض الشعبي والشبابي: صرخة غضب بوجه الضياع
سالم باحاج (الناشط والقيادي الشبابي) قال: «الشباب اليمني اليوم يقف أمام مفترق مرير؛ إما الهجرة والموت في البحار بحثًا عن بصيص أمل، أو البقاء تحت طائلة طحن المعيشة والحروب العبثية. عندما يرى الشاب دولته تتمزق ومقدراته تتبدد، بينما يتسابق المتصارعون على تقاسم الفتات والمكاسب الوهمية، فإن الشعور بالغربة في وطنه يتفاقم. لقد ماتت الحكمة اليمانية تحت أقدام المزايدات الحزبية والمناطقية، وأصبح السؤال الأبدي: إلى متى هذا الصمت الشعبي المطبق؟»
وجع الأمهات والنازحات
الدكتورة فاطمة المقطري (الأكاديمية والناشطة الحقوقية) قالت: «المرأة اليمنية هي الخاسر الأكبر والدينمو الذي يتحمل وزر هذه المأساة اليومية. حين تنزح العائلات من تعز نحو عدن، وتفتقر عدن لأبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء، وتفتقد صنعاء لرواتب الموظفين، وتتشتت الأسر بين جغرافيات متنافرة، فإن الأم هي التي تعجن الدموع بالصبر لتطعم أطفالها. إننا أمام انهيار قيمي وأخلاقي قبل أن يكون سياسيًا أو اقتصاديًا، وحجم المعاناة الإنسانية يتجاوز كل الخطابات والشعارات الجوفاء».
المؤسسة العسكرية والأمنية: ضياع البوصلة وغياب العقيدة الوطنية
اللواء المتقاعد/ صالح حيدرة (القيادي العسكري البارز) قال:
«حين تتحول الجيوش والتشكيلات المسلحة إلى أدوات طواعية لمشاريع ممولة من الخارج بدلًا من حماية السيادة والتراب الوطني، فإن الهزيمة الحقيقية قد وقعت.
إن تبادل القصف وتشتت الجبهات وتدخل القوى الإقليمية والدولية بقرارات فوقية وتهديدات مكشوفة يعكس مدى ضعف وهشاشة المشهد العسكري الحالي. لا وطن يستقيم بدون جيش وطني عقائدي واحد يحمي الشعب، لا الأفراد والميليشيات والكيانات الطارئة».
القطاع الاقتصادي والتجاري: اقتصاد الحرب وسحق الطبقة الوسطى
عبدالرحمن السقاف (رجل الأعمال والتاجر) قال: «الاقتصاد اليمني اليوم جثة هامدة يعبث بها أمراء الحروب وتجار الأزمات. انهيار العملة، وانعدام الرواتب في صنعاء، وغياب الخدمات في عدن، وفوضى الأسواق، جعلت من الاستثمار مجرد مغامرة خاسرة ومن المواطن ضحية دائمة للغلاء الفاحش. ما يحدث في قطاع الطاقة والنفط والغاز ليس سوى صراع مصالح ضيقة تُدار برعاية قوى إقليمية لا تبالي بانهيار البنية التحتية لليمن ومعيشة ملايين البشر».
البعد الثقافي والتنموي: أفول الحكمة وضياع الهوية
محمد سعيد الهلالي (الكاتب الصحفي والمؤرخ) قال: «التاريخ لا يرحم، والزمن الذي نعيشه اليوم سيسجل كأحلك حقبة في تاريخ اليمن الحديث؛ حيث انقضى زمن الرجال الحكماء وغاب العقل الرشيد لصالح أصوات الغوغاء وتجار الدم. لقد تم تجريف الهوية الثقافية والمجتمعية لحساب العصبيات الضيقة والمناطقية والمذهبية. وبينما تتفاخر بعض المناطق بإنجازات خدمية بسيطة بينما تحترق أخرى، يضيع التاريخ والجغرافيا معًا في زحمة التيه الكبير».
الخاتمة:
إن ما يمر به الوطن اليوم من تمزق وتخبط ليس قدرًا محتومًا بقدر ما هو نتاج إرادة سياسية منحرفة تخلت عن واجباتها الوطنية والإنسانية. وعندما ترتفع أصوات الأنين من كل ربوع اليمن، من شماله وجنوبه وشرقه وغربه، يتأكد للجميع أن سفينة الوطن باتت تغرق بمن فيها، ولا مخرج سوى استعادة العقل والحكمة، وتصحيح البوصلة نحو بناء دولة تحترم الإنسان وتحفظ كرامته.