إشارات الخطر تتصاعد .. فمن يقرأ المشهد؟
تتزايد المؤشرات وتدق نواقيس الخطر في الساحة اليمنية، لتضع الجميع أمام حقيقة عارية لا تقبل التجميل، وهي أن المشهد اليمني يمر بمنعطف هو الأخطر على الإطلاق، حيث يتطلب الواقع اليوم قراءة فاحصة ومسؤولة للوقوف على أسباب التراجعات السابقة التي أصابت القوى المناهضة للمشروع الحوثي، والاعتراف بها بشجاعة كخطوة أولى لتدارك الأخطاء ومنع تكرارها قبل فوات الأوان. إن إشارات الخطر الحقيقية لا تأتي فقط من تحركات العدو، بل تنبع أساسًا من الثغرات الداخلية التي سمحت له بالتقدم، وفي مقدمتها داء التخوين العشوائي الذي يمزق الصفوف، والفوضى الإعلامية التي تشتت الجهد، والاستهتار بقدرات العدو والمراهنة على تراجعه دون عمل حقيقي، فضلًا عن ضعف التعبئة الفكرية والتحصين الممنهج للحاضنة الشعبية ضد الخزعبلات والأفكار الطائفية الدخيلة.
لقد تراجعت الجبهة المناهضة للحوثي عندما غاب التنسيق المشترك وقُدِّمت المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية العليا، وتجنب هذه الأخطار المستقبلية يفرض انتقالًا فوريًا نحو رص الصفوف وتوحيد الكلمة، ونبذ لغة التخوين تمامًا، مع الإيمان المطلق بوحدة المصير، لأن السفينة إذا غرقت فلن ينجو منها أحد، والعدو لا يستثني طرفًا دون آخر.
ويتجلى ضعف الأداء الفكري والإعلامي بوضوح في عدم مواجهة وتفنيد قلب الحقائق والاتهامات التي يمارسها الحوثي لتبرير حروبه، ولعل ما يحدث تجاه محافظة تعز هو الشاهد الأبرز على هذا التخبط؛ فالحوثي عندما ذهب لقتال تعز في المرة الأولى ساق جحافله باسم قتال «الدواعش»، واليوم يعود لاستهدافها باسم قتال «التحشيدات السعودية»، وهنا يبرز غياب الرد المنظم الذي كان يجب أن يطرح التساؤل الفاضح: أين ذهب مصير الدواعش الذين زعم محاربتهم سابقًا، ومن أين جاءت هذه التحشيدات السعودية إذا لم يكن هؤلاء المرابطون في المتارس هم أنفسهم أبناء تعز الشرفاء الذين يدافعون عن أرضهم وعرضهم؟ هذا التناقض يكشف زيف الذرائع الحوثية، لكن غياب الخطاب القوي سمح للأكاذيب بأن تمر دون تعرية كاملة، مما يحتم اليوم إعادة تعريف مشروع الحوثي المرتبط إيرانيًا للشعب بصيغة موحدة وواضحة باعتباره مشروعًا سلاليًا يستهدف الهوية اليمنية برمتها.
إن اللحظة الراهنة لا تحتمل أي تهاون، مما يستدعي التخطيط بكل قوة وعلى كافة المستويات، بدءًا من الجبهات العسكرية عبر رفع الجاهزية والتمترس وإعداد الخطط الهجومية والدفاعية المحكمة، مرورًا بالحاضنة الشعبية وتكثيف تعبئتها، وصولًا إلى تصحيح مسار الإعلام من خلال إنشاء مركز موحد ومحترف يدير الخطاب الإعلامي بكفاءة ويفند ادعاءات العدو ويمنع التخوين البيني.
إن قراءة المشهد تستدعي استيقاظًا حقيقيًا وعملًا جادًا وملموسًا على أرض الواقع، ككتلة واحدة صلبة تتكسر عليها أوهام الكهنوت الحوثي وتصون كرامة اليمنيين.