تعز… ما لم تقله البنادق.
ليست كل الحقيقة في صوت الرصاص، ولا كل الحكاية تتسع لها نشرات الأخبار؛ فما لم تقله البنادق في تعز، أكبر وأعمق من كل ما دوّى في جبهاتها، وخلف الدخان المتصاعد وأصوات الانفجارات ثمة تفاصيل منسية لملحمة إنسانية وبطولات صامتة صاغها رجالٌ يواجهون الموت كل يوم بدروع من الإيمان المطلق بالقضية وبنادق متمسكة بالحق، وصبرٌ فاق قدرة الجبال على الاحتمال. في تعز، لا تكتب الحكاية الشظايا الفانية، بل يكتبها الثبات الأبدي لرجالٍ أقسموا ألا تمر المليشيات إلا على أجسادهم، ليدفنوا أوهام الغزاة في شعاب الجبال الممتدة، ويرابطوا في المتارس المظلمة التي لم تصل قصصها إلى شاشات التلفاز، لكنها حُفرت عميقاً في وجدان الأرض؛ حيث تولد من بين تلك الخنادق المحاصرة بالبارود قصصٌ إنسانية تُبكي الصخر وتُلهم الأجيال. في أحد المتارس المتقدمة بمواقع المطار، كان المرابط "أبو بكر" يمسك ببندقيته بيمينه، ويمسك بيساره دفتراً صغيراً ومزقاً من قلم رصاص، وهو الذي غادر مقاعد الدراسة الجامعية ليلبي نداء الأرض دون أن ينسى حلمه، فبين النوبة والأخرى وتحت دوي القذائف المنهمرة، كان يُعلّم رفاقه في المتارس مبادئ اللغة والقراءة محولاً ثكنته العسكرية إلى صفٍّ دراسي، حتى إذا ما أُصيب شقيقه الأصغر المرابط معه في نفس الموقع في ليلة شديدة القصف، نظر إليه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مستحلفاً إياه ألا يترك الخندق وألا يحرق الدفتر، ليمسح "أبو بكر" دموعه بيده المغبرة بالتراب، ويضمد جرح قلبه الدامي، ويعود ليلقن رفاقه الحروف بصلابة ويوجّه بندقيته نحو العدو بكبرياء، مجسداً أعظم صور التضحية التي توازن بين حب العلم والدفاع عن الكرامة. ومن هذه المتارس يمتد الشموخ إلى قمم الجبال التي تحولت من تضاريس جغرافية إلى قلاعٍ صلبة ترفض الانحناء، وعلى رأسها جبل الهان، ذلك الحارس الأمين لخاصرة المدينة الغربية، والذي لم يكن مجرد مرتفع جبلي بل كان المقبرة الحقيقية التي أهانت مليشيات الحوثي وكسرت كبرياءها المتغطرس، فكلما حاولوا بكل عتادهم وقصفهم أن يطأوا قمتها، ارتدت حشودهم خائبة صاغرة تحت أقدام مقاتلينا الأشداء، ليثبت "الهان" للعالم أن الجبال في تعز لا تقاس بارتفاعها عن سطح البحر، بل بارتفاع هامتها في وجه الطغيان. وعلى المقلب الآخر، يقف جبل صبر شامخاً كأبٍ حنون يحرس المدينة برمش عينيه، مستمداً من اسمه كل معاني الاحتمال والجلد، فلم يكتفِ بتقديم الحماية والملجأ، بل تحول رجاله ونساؤه إلى سياج من لهب ذاد عن شرف المدينة، وداوى جراحها، وظل عصياً على الاختراق، يلقن الغزاة دروساً قاسية في معنى الانتماء والأرض العريقة. هذا الشموخ الجبلي يتكامل تماماً مع الصمود الأسطوري في خطوط النار المتقدمة عند مواقع المطار القديم ومحيطه، تلك الأرض التي تتنفس باروداً وتشهد على واحدة من أشرس المعارك وأكثرها استبسالاً في التاريخ الحديث، حيث تلتقي الخطوط وتشتعل الجبهات، لكن المقاتلين سطروا هناك ملاحم من نور، فواجهوا القناصة والقصف الهستيري بقلوب ثابتة وعزائم حديدية، محولين أسوار ذلك النطاق إلى جدار صدٍّ لا يلين تحطمت فوقه كل أوهام السيطرة والتمدد الحوثية. إن الإنصاف الحقيقي لتعز ورجالها لا يأتي من تمجيد السلاح وحده، بل من إدراك حجم التضحية والإنسانية الكامنة في قلب المعركة؛ إنها قصة جندي يبتسم للموت في متاريس جبل الهان، وصبر، ومحيط المطار، لأنه يعلم يقيناً أن خلفه مدينة نابضة تستحق الحياة والحرية، وستصمت البنادق يوماً ما وتنجلي غبرة هذه المعارك، لكن ما سيبقى خالداً في أنصع صفحات التاريخ هو هتاف الأرض، وشموخ الجبال، وبطولات أولئك الرجال الذين لم تنصفهم الكلمات، لكن أنصفتهم جغرافيا الحرية والكرامة.